الحرية- جهاد اصطيف:
تشهد مدينة حلب في الآونة الأخيرة تحركات مكثفة من مجلس المدينة لمعالجة واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً في الاقتصاد الحضري، وهي انتشار البسطات والباعة الجوالين في الشوارع والأسواق الرئيسية، هذه الظاهرة التي تمثل مصدر رزق لآلاف العائلات، تطرح في الوقت ذاته تحديات كبيرة تتعلق بتنظيم المدينة وحركة المرور والحفاظ على الطابع الحضري للمدينة.
وبين حملات الإزالة المتكررة ومحاولات التنظيم، يبرز تساؤل أساسي: هل تنجح المقاربة الجديدة في تحقيق توازن بين البعد الاقتصادي والاجتماعي من جهة، ومتطلبات التنظيم العمراني من جهة أخرى؟
حملات مستمرة ونتائج مؤقتة
على مدار الأشهر الماضية، نفذت الجهات المعنية في مجلس مدينة حلب، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، حملات مكثفة لإزالة التعديات والإشغالات من الطرقات والأرصفة، استجابة لشكاوى متزايدة من المواطنين حول الاختناقات المرورية والفوضى في بعض المناطق الحيوية، ولاسيما في الأسواق المركزية مثل سوق باب الجنان.
ورغم الجهود المبذولة، فإن هذه الحملات غالباً ما تحقق نتائج مؤقتة، إذ يعود الباعة إلى مواقعهم فور انتهائها، مدفوعين بالحاجة الاقتصادية وغياب البدائل المستقرة.
من الإزالة إلى الاحتواء
وفي إطار السعي لمعالجة هذه الإشكالية بشكل أكثر استدامة، بدأ مجلس المدينة بتبني مقاربة جديدة تقوم على تنظيم عمل البسطات بدلاً من إزالتها بشكل كامل.
وفي هذا السياق، أكد عضو المكتب التنفيذي في مجلس مدينة حلب حسام الدين فاعل خلال حديثه لـ«الحرية» أن المجلس يعمل على تنظيم البسطات ضمن أماكن مخصصة وآمنة بعيداً عن المخالفات والمصادرة، وأن عدد المواقع الحالية 25 موقعاً مع خطة لرفعها إلى 50 موقعاً قريباً.
ولفت إلى أنه تم تقسيم مدينة حلب إلى 5 مديريات خدمية لتنظيم توزيع الأسواق، وإطلاق أسواق متنقلة تعمل على مدار أيام الأسبوع ضمن كل مديرية، على أن يتم بدء التنفيذ قبل عيد الأضحى المبارك عبر تفعيل موقعين في كل كتلة كمرحلة أولى.
كذلك كشف فاعل أن هناك خطة لاحقة لتفعيل 14 موقعاً في كل مديرية مع تدوير البسطات يومياً، مع التشديد على فرض غرامات تصل إلى 400 ألف ليرة سورية قديمة مع المصادرة عند تكرار المخالفة.
شريان معيشة أم عبء تنظيمي؟
لا شك أن البسطات تمثل جزءاً أساسياً من الاقتصاد غير الرسمي في المدينة، حيث توفر فرص عمل لشرائح واسعة من المجتمع، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
يقول طاهر أحد الباعة في سوق باب الجنان نحن لا نرفض التنظيم، لكن نحتاج إلى أماكن حقيقية فيها حركة بيع، وإذا تم نقلنا إلى مواقع بعيدة، سنخسر رزقنا بالكامل، بينما يرى مصطفى بائع آخر أن الحل يكمن في إشراكهم في القرار، بحيث يتم التنسيق مع الباعة بشكل أفضل، وإمكانية إيجاد حلول وسط، لأن المشكلة ليست في التنظيم، بل في التنفيذ.
المواطنون بين التأييد والقلق
على الجانب الآخر، يعبر العديد من المواطنين عن ارتياحهم للحملات التي تساهم في تخفيف الازدحام وتحسين الحركة، وتقول صفاء عبد الكريم ربة منزل: أحياناً لا نستطيع السير على الرصيف بسبب البسطات، وإن فرض تنظيمها ضروري جداً، خاصة في المناطق المزدحمة.
في حين يشير المواطن محمد أحمد إلى ضرورة التوازن، بحيث تصبح المدينة منظمة، لكن أيضاً لا يمكن تجاهل أن هؤلاء الناس يعيشون من هذه البسطات، منوهاً إلى أن الحل يجب أن يكون إنسانياً واقتصادياً في نفس الوقت.
تحديات التنفيذ وفرص النجاح
رغم وضوح الخطة، يواجه تنفيذها عدة تحديات، وهنا يرى إبراهيم يازجي، يعمل في سوق الأشرفية منذ أكثر من أربعين عاماً، أن أبرز التحديات هو مدى التزام الباعة بالمواقع الجديدة، وقدرة الأسواق البديلة على جذب الزبائن، واستمرار الرقابة وتطبيق القوانين بشكل عادل، مع توفير بنية تحتية مناسبة للأسواق المنظمة، وبحسب اليازجي، أن هذه الخطة يمكن أن تفتح الباب أمام فرصة حقيقية لتنظيم قطاع اقتصادي واسع، وتحويله من مصدر فوضى إلى عنصر فاعل ضمن الاقتصاد المحلي.
اختبار حقيقي
لا شك أن مدينة حلب تقف اليوم أمام اختبار حقيقي في إدارة ملف البسطات، بين الحاجة إلى فرض النظام والحفاظ على مصادر رزق آلاف الأسر، وبينما تمثل الخطط الجديدة خطوة متقدمة نحو الحل، فإن نجاحها سيعتمد بشكل أساسي على حسن التنفيذ، والتوازن بين الحزم والمرونة، وإشراك جميع الأطراف في صياغة مستقبل أكثر تنظيماً وعدالة للمدينة وسكانها.