مع ضعف الإحصاءات.. توقعات بزيادة نسبة البطالة .. والعاطلون عن العمل ينتظرون شركات إعادة الإعمار

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – دانيه الدوس:

لا توجد مسوحات تقديرية ولا إحصاءات رسمية حالية عن معدل البطالة في سوريا هذا العام، فالمكتب المركزي للإحصاء المتخصص بإجراء دراسات معتمدة رسمياً لم يقم بأي دراسة منذ عام 2023، وأرقامه لم تحدث منذ ذلك العام، حينها كان حجم البطالة يتجاوز 49%. ووفقاً لإحصاءات حصلت عليها صحيفة «الحرية»، فقد حظيت محافظة دمشق بالنسبة الأكبر لأعداد العاطلين عن العمل بمعدل تجاوز 57%، تليها محافظة حمص بنسبة بطالة تجاوزت 56%، ثم محافظة حلب فاللاذقية، ثم درعا وحماة وطرطوس.

على قيد الأمل

لم يجد بشر الصباغ أي فرصة عمل أيام النظام البائد على الرغم من كونه خريج كلية الكيمياء التطبيقية، فقط لأن اسمه مدرج على اللائحة السوداء، لذا اتخذ من تصليح وحدات تخزين الحاسب عملاً جديداً له عبر تسويق نفسه من خلال مواقع التواصل. ويقول بشر متحسراً: «ليتني سافرت، ربما كان حالي غير هذا الحال».

معاذ الحمصي، خريج كلية الهندسة المدنية، تفاءل كثيراً بإيجاد فرصة عمل في اختصاصه حالياً، خاصة أن البلد بحاجة إلى إعادة إعمار، فطوال مدة تخرجه منذ ست سنوات تعددت أعماله بين معلم لمادة الرياضيات صباحاً وسائق تكسي ليلاً. ويقول: «أنتظر أن ينتعش الاقتصاد كي أعمل في اختصاصي».

سامي الحماد، خريج كلية الزراعة، يقول: «متى ستبدأ عملية إعادة الإعمار؟ ومتى ستنطلق الشركات الأجنبية والعربية التي من المفترض أن تبدأ استثماراتها في سوريا؟ فهناك الملايين من العاطلين عن العمل ينتظرون فرصة عمل».

الإسراع للحد من البطالة

أكد عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق ازدياد نسبة البطالة مؤخراً مع عدم تحديد أي رقم لزيادتها، فلا أحد يستطيع تقديرها على حد قوله، لكن ازديادها واضح بشكل كبير، فهناك العديد من الأشخاص على اختلاف مستوياتهم سواء كانوا من ذوي الكفاءة أو المبتدئين يبحثون عن عمل حالياً، مرجعاً السبب إلى عودة الكثير من السوريين الموجودين في الخارج إلى سوريا.

وأضاف الحلاق: «لا شك أن عملية التحرير ساهمت بمخرجات جيدة، لكن في الوقت نفسه كان لها تأثير سلبي على الاقتصاد، وخاصة أننا انتقلنا بشكل مفاجئ من اقتصاد موجه إلى اقتصاد السوق المفتوح».

ورأى الحلاق أنه يجب أن نخرج من فكرة أن يكون دور الحكومة محصوراً بتوظيف العاطلين عن العمل من أجل تخفيض نسبة البطالة، بل يجب أن تسعى الحكومة إلى إعادة دوران الصناعة والزراعة، وإمداد الصناعيين والزراعيين بقروض إنتاجية وتأسيسية، فهذا بدوره يزيد في تشغيل اليد العاملة ويخفض نسبة البطالة.

كما يجب على الحكومة تأمين مراكز حرفية تضمن تدريب وتعليم بعض الحرف اليدوية التي بدأت تندثر، إضافة إلى بعض المهن البسيطة كالدهان والحدادة وتمديد الكهرباء مدفوعة الأجر من أجل التشجيع على تعلمها لتوظيفهم في مرحلة إعادة الإعمار، فالفترة المرحلية الحالية تستوعب 80 مهنة.

وأكد الحلاق على أهمية دور المجتمع المدني في الحد من البطالة، من خلال مساهمته مادياً وفكرياً عبر المساعدات في إنشاء مراكز للتدريب، إضافة إلى مساهمة الكفاءات بإعداد دورات تدريبية.

وحث الحلاق على ضرورة الإسراع في إيجاد حلول للقضاء على البطالة، فهي تؤدي إلى انتشار الجريمة والنقص الغذائي وتفكك الأسر، وتشكل عبئاً على المجتمع والحكومة، قائلاً: «يجب أن نخرج من عنق الزجاجة وذلك من خلال المشاركة بين المجتمع المدني والحكومة، والملاحظ حالياً صدور العديد من القرارات بدون مشاركة أهل الخبرة، وعدم مشاركتهم يؤدي إلى توقف العمل، فلا يجوز لوزارة الاقتصاد التفرد بإحداث القرارات المصيرية بدون مشاركة المعنيين».

نحتاج إلى ما لا يقل عن 200 ألف فرصة عمل سنوياً

بدوره الاختصاصي في الشؤون الاقتصادية الدكتور فادي عياش أكد وجود زيادة في معدلات البطالة على الرغم من عدم وجود مسوحات فعلية لأعداد العاطلين حالياً، ولكن وفق المعطيات المتاحة يمكن تقدير زيادة فيها، وذلك لاعتبارات عديدة منها إعادة هيكلة العمل الحكومي، وهذا ما ساهم في تحول هؤلاء إلى البطالة.

كما أدى التسرع في تحرير الاقتصاد وفتح أبواب الاستيراد إلى تراجع الإنتاج المحلي وتوقف العديد من المنشآت عن العمل، وتحول العاملين فيها إلى عاطلين عن العمل، إضافة إلى تباين مستويات الاستقرار الأمني، ما أثر على الكثير من قطاعات الأعمال وأدى إلى تراجع مستويات التشغيل.

البطالة تقترب من 85%

ورأى عياش أن معدلات البطالة تأثرت سلباً بهذه المتغيرات وازدادت إلى مستويات تقارب 85% من قوة العمل المتاحة.

وأكد الخبير الاقتصادي وجود العديد من العقبات التي تعترض الباحث عند دراسة معدلات البطالة في اقتصاد ما، تتعلق بمتغيرات يصعب تحديدها والتنبؤ بها، لا سيما عند قلة المعلومات والإحصاءات المتعلقة بهذه المتغيرات، وتأثير الظروف الاستثنائية المتعلقة بالحرب والأزمات والعقوبات وحجم الدمار والخراب والتغيرات الديموغرافية الكبيرة الناتجة عنها، مع تراجع الاقتصاد بمختلف مكوناته وكذلك حجم اقتصاد الظل.

يضيف عياش: «تختلف التقديرات بحسب الغاية المتعلقة بها، فمن الجانب التنموي والاجتماعي يعتبر متغير عدد السكان ومتغيرات قوة العمل هي المعيار الأهم بالإضافة إلى المعايير الأخرى».

وتحتاج سوريا – بحسب عياش – إلى ما لا يقل عن 200 ألف فرصة عمل سنوياً لامتصاص الزيادة في قوة العمل المتاحة، أو على الأقل لتخفيض معدلات البطالة إلى حدود مقبولة لا تزيد على 5%. أما لتحقيق الغايات التنموية الاستثمارية، ولا سيما تقدير الحاجة من العمالة لمرحلة التعافي وإعادة البناء والإعمار، فيتوقع أن تزيد الحاجة إلى ضعف هذه التقديرات على الأقل، فمن طبيعة مراحل إعادة الإعمار في ظروفها المناسبة هو التشغيل الكامل، وبالتالي قدرتها على امتصاص فائض قوة العمل في السوق المحلي من جهة، وكذلك قد تحتاج إلى استيراد قوة عمل إضافية، ولا سيما ذات التخصص والخبرة الخاصة من جهة ثانية.

استدراك نقص التأهيل والتدريب

وأضاف عياش: «عموماً وحسب البيانات الرسمية المتاحة، فقد بلغت معدلات البطالة قرابة 8.6% في عام 2011. ولكن هناك العديد من الباحثين الذين قدروها وفق معطيات أوسع بنسب لا تقل عن 16%. وقد زادت معدلات البطالة بشكل كبير خلال فترة الحرب ووصلت إلى 24% في 2023، مع أن دراسات أخرى لمنظمات دولية قدرت المعدلات بقيم أعلى بكثير تتراوح بين 65% و85%. وهذه الزيادة الكبيرة تعود بشكل أساسي إلى تأثير الحرب التي بدأت منذ عام 2011، والتي أدت إلى فقدان ملايين الوظائف وانهيار القطاعات الاقتصادية والاجتماعية».

أما عن المرحلة القادمة، فهناك توقعات إيجابية بتراجع معدلات البطالة بنسب جيدة اعتباراً من 2026، إذا تم البدء بالتنفيذ الفعلي للاستثمارات الكبيرة التي تم التفاهم عليها خلال العهد الجديد، والتي يتوقع قدرتها على إيجاد عدد كبير من فرص العمل ومعدلات جيدة من التشغيل في مختلف القطاعات الاقتصادية، وكذلك إذا تم استدراك نقص التأهيل والتدريب مع مراعاة الأجور المناسبة لاستعادة قوة العمل السورية المؤهلة المهاجرة.

وتوقع عياش تراجع معدلات البطالة إلى مستويات قد تصل إلى 15% مع زيادة الاستثمارات وتسارع وتيرة إعادة الإعمار.

Leave a Comment
آخر الأخبار