الحرية – دينا عبد:
يُعتبر إخماد حرائق حقول القمح من أصعب عمليات إطفاء النيران، نظراً لترافق موسم الحصاد برياح موسمية نشطة تدفع النيران للانتشار بسرعة في الحقول الناضجة والمعدة للحصاد، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة وتلاصق الحقول مع بعضها بحيث يصعب إيقاف النيران.
وهنا يبرز السؤال: ما سر ظاهرة الحرائق التي تلتهم محاصيل القمح في سوريا؟
أسباب الحرائق
يوضح الخبير في إخماد الحرائق الدكتور حسان فارس خلال حديثه لـ«الحرية» أن أسباب اندلاع الحرائق في الحقول الزراعية تزامناً مع موسم الحصاد تحدث عند اجتماع أضلاع المثلث مع بعضها البعض ويسمى «مثلث الحريق»، ولإخماده يجب القضاء على ضلع أو ضلعين حسب حجم الحريق.
ووفقاً لفارس، تتمحور الأسباب الرئيسية في الآتي:
– عوامل طبيعية ومناخية: وتتمثل في ارتفاع درجات الحرارة المفاجئ، وجفاف الكتلة الحية بشكل كبير من أعشاب وحشائش ومحاصيل حقلية كالقمح والشعير، ما يزيد من احتمالية اشتعال المحاصيل الجافة والنباتات الجافة.
– الإهمال البشري: وهو من أكثر مسببات الحرائق وخاصة في بيئة البحر الأبيض المتوسط، حيث تنشب الحرائق من خلال ممارسات بشرية خاطئة ويرافقها إهمال في أخذ الاحتياطات اللازمة، ومن هذه الممارسات: رمي أعقاب السجائر من راكبي السيارات على الطرقات العامة والطرقات الزراعية بشكل عشوائي، أو حرق المخلفات الزراعية بغرض تنظيف الأراضي ومن ثم فقدان السيطرة على النيران بعد انتشارها.
– رمي الفحم والأحطاب المحروقة: من قبل مرتادي المنتزهات والأماكن السياحية القريبة من حقول القمح والشعير دون التأكد من إطفائها.
– الحرق المتعمد (التخريب): وهذا النوع يحدث نتيجة الأخذ بالثأر أو خلاف شخصي على الملكية أو لغايات أخرى، ولم يصدر تقرير جنائي يحدد حدوث هكذا مسببات لحدوث الحرائق.
– احتكاك الآلات الزراعية بالصخور أو المعادن: ما ينتج شراراً يسبب الحريق.
– انتشار مخلفات الحرب (ألغام) في بعض المناطق والحقول والأماكن المهجورة: ما يزيد من نمو الأعشاب والحشائش في هذه المناطق، التي تعتبر مصدراً رئيسياً لنشوب الحرائق عند توفر مصدر حرارة.

تأثير الحرائق على الأمن الغذائي
بحسب الخبير فارس، فإن حرائق المحاصيل الحقلية الاستراتيجية (القمح) تؤثر في سورية بشكل مباشر وخطير على الأمن الغذائي، ولا سيما في موسم 2026 الذي تشير التقديرات فيه إلى إنتاج قريب من تحقيق الاكتفاء الذاتي، وأي خسارة في المحصول تعني تهديداً لاستقرار سوق الخبز وزيادة الاعتماد على الاستيراد الذي يستنزف العملة الأجنبية.
وتتمثل التأثيرات الرئيسية على الأمن الغذائي في النقص المعروض وارتفاع الأسعار، إذ يؤدي احتراق آلاف الدونمات إلى شح في القمح، ما يرفع أسعار الطحين والأعلاف ويضغط على قدرة المواطنين الشرائية، كذلك الضغط على الاستيراد، فكل طن من القمح يُفقد بسبب الحرائق يعني الحاجة لاستيراده من الخارج، ما يضغط على احتياطات القطع الأجنبي في ظل اقتصاد هش يُعمل على بنائه وفق خطط اقتصادية تدرس من قبل الحكومة.
ولا تقتصر الأضرار على الموسم الحالي، بل تمتد لسنوات بسبب تدهور التربة وفقدان مصدر دخل للمزارعين، ما يهدد قدرتهم على الزراعة مستقبلاً.
كما تكمن خطورة الحرائق هذا العام في أنها تأتي في موسم واعد، جعل سوريا على أعتاب تحقيق اكتفاء ذاتي نادر من القمح بعد سنوات الثورة والجفاف.
إحصاءات
تشير التقديرات التي حصلت عليها «الحرية» من وزارة الزراعة إلى حاجة سنوية تبلغ ما يزيد على 2.5 مليون طن، وتشير التقديرات كذلك إلى إنتاج قد يتجاوز 2.5 مليون طن إذا استمرت الظروف المناخية المواتية لمحصول القمح، وقد تصل الكميات المتوقع تسويقها في أسوأ الأحوال إلى 1.5 مليون طن.
الإجراءات الوقائية
لطالما تميزت السنة بمواسم مطيرة، وهذا يتطلب حماية الأمن الغذائي بتعاون مجتمعي وحكومي للحد من الحرائق، ويركز على الوعي المجتمعي بأخذ كل الإجراءات الاحتياطية لمنع حدوث الحرائق، علماً أن حملات التوعية من قبل وزارة الطوارئ ركزت على حماية المحاصيل، وخاصة مع اقتراب موسم الحصاد في منتصف حزيران، مع وضع خطة سنوية مع كل الجهات المعنية للوصول إلى موقع الحريق في التوقيت المناسب والتقليل من انتشاره وتقليل الخسائر.
تعليمات وزارة الطوارئ للحد من الحرائق
أصدرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية مجموعة من التعليمات والإرشادات الموجهة للمزارعين، بهدف الحد من حرائق المحاصيل الزراعية وتعزيز الاستجابة السريعة في حال وقوعها، تزامناً مع اقتراب موسم الحصاد.
وأكدت الوزارة في بيان حصلت «الحرية» على نسخة منه أهمية الاستعداد المسبق عبر:
· تجهيز المعدات الزراعية والتأكد من سلامتها، وعدم وجود تسرب للوقود أو أعطال كهربائية.
· تنظيف الحصادات والجرارات من بقايا القش والزيوت، وتأمين صهاريج المياه وأدوات الإطفاء اليدوية.
الأمن الغذائي حجر الأساس
بدوره اعتبر الباحث في الشؤون الزراعية إسماعيل عيسى خلال حديثه لـ«الحرية» أن الأمن الغذائي حجر الأساس في نمو الاقتصاد الوطني وفي صموده أمام الهجمات التي يمكن أن تشن عليه، كما أنه عنوان أساسي من عناوين استقلال البلاد وضمان حريتها في قرارها الوطني، فالأمن الغذائي السوري هو عنوان استقلال سوريا وضمان حريتها ومستقبلها.
وبالتالي فإن القمح هو العمود والركيزة الأساسية في هذا الأمن، لأنه المحصول الأول الذي يتم استهلاكه على مستوى الشعب السوري من خلال مادة الخبز وهي المادة الأساسية.
ففي السنوات السابقة استطعنا أن نحقق نوعاً من الأمن الغذائي ربما يكفي لمدة خمس سنوات، حتى لو جاءت جميع المواسم اللاحقة جافة، وذلك لوجود:
· خطة زراعية كانت تمنح زراعة القمح الأفضلية في الحقول السهلية والمروية ما يضمن إنتاجاً جيداً.
· وجود أبحاث زراعية علمية استطاعت أن تستنبط سلالات من بذور القمح الملائمة لكل منطقة أو لكل محافظة في سورية، بحيث تكون ملائمة للمناخ والتربة وللأمراض التي قد تنتشر في تلك الفترة، ومن المشهور سلالة القمح المكسيكي ومن ثم الحوراني والبلدي والحنطة الجورية وغيرها من الأسماء.
الأمر الثالث بحسب الباحث عيسى هو تشجيع الفلاحين على زراعة القمح من خلال منحهم أسعاراً مجزية بصورة مسبقة، بحيث تتضمن هذه الأسعار كافة تكاليف الإنتاج التي كان يقدمها الفلاح بدءاً من أجور الأرض، وجهده العضلي والأسمدة والبذور وغيرها من المستلزمات الزراعية، يضاف إلى هذه التكاليف هامش ربح يساعد الفلاح على العيش وتوفير حياة كريمة لعائلته.
هذه الأسباب أدت إلى نشوء نوع من الأمن الغذائي السوري الذي كان من أبرز عناوينه تأمين القمح. لكن السنوات التي مضت وفي ظل الأزمة التي عاشتها سوريا، أدى كل ذلك إلى تدهور الأمن الغذائي وبالتالي خروجها من دائرة تحقيق الأمن الغذائي إلى خانة الحاجة إلى القمح. ومن المعروف أننا سابقاً كنا نستورد من روسيا وأوكرانيا، والآن نستورد القمح من الدول التي تبيعنا بما يناسبنا.
سلسلة من الخطوات
كذلك ذكر الباحث عيسى أنه حتى نحقق هدف الأمن الغذائي لا بد من تحقيق سلسلة من الخطوات:
· ضرورة الاستفادة من التجارب السابقة التي مررنا بها مع الأخذ بالجوانب الناجحة وترك الجوانب السلبية.
· الأمن الغذائي السوري وخاصة القمح يجب أن يستند على خطة زراعية وأن يُعطى القمح أولوية في المحصول والإنتاج الزراعي.
· منح الفلاحين الأراضي السهلية والمروية والأسعار الجيدة.
· العمل على استنباط السلالات والبذور الملائمة لكل منطقة من المناطق، خاصة وأن السلالات السابقة وبسبب نقص البذور أدت إلى الاختلاط، وهذا أمر صعب جداً ويسيء إلى الإنتاج السوري.
على سبيل المثال: لدينا قمح بلدي وقمح كندي يُزرع في حقل واحد وتتفاوت نسب النمو بين سنبلة وأخرى، هذا من شأنه أن يعيد إلينا الأمن الغذائي الذي نسعى إليه باعتباره اللبنة الأساسية التي تبنى عليها سوريا الجديدة.
أضرار انغمار الأراضي في الرقة ودير الزور
أشار الخبير الاقتصادي فاخر القربي خلال حديثه لـ«الحرية» إلى أن انغمار مساحات زراعية شاسعة في الرقة ودير الزور جراء الفيضانات وارتفاع منسوب مياه نهر الفرات تسبب بأضرار كارثية طالت آلاف الدونمات، مما أدى إلى تلف محصول القمح الاستراتيجي وتكبيد المزارعين خسائر مالية جسيمة، بالإضافة إلى تهديد الأمن الغذائي وخروج العديد من محطات الري عن الخدمة.
وظهرت الآثار الاقتصادية والتي كانت صعبة التحمل، وأبرزها:
– تلف المحاصيل قبل الحصاد، حيث غمرت المياه آلاف الدونمات من حقول القمح المجهزة للحصاد، مما أدى إلى تعفن السنابل وإتلاف القمح وفقدان المزارعين لمصدر رزقهم الوحيد بعد أشهر من التعب والإنفاق وطول الانتظار للموسم.
– تضرر البنية التحتية للري : حيث أدى الفيضان إلى خروج عشرات محطات ضخ المياه ومشاريع الري عن الخدمة مما أدى لحرمان الأراضي المجاورة من المياه اللازمة للمواسم القادمة وخلق تكاليف صيانة إضافية باهظة.
– تراجع الإنتاج المحلي: تشكل حقول المنطقة الشرقية (الرقة، دير الزور، الحسكة) أكثر من 80% من إنتاج الحبوب في سوريا، وانغمار مساحات واسعة فيها (مثل تجاوز الأراضي المتضررة في دير الزور نحو 10 آلاف إلى 17 ألف دونم) سوف يؤدي حتماً إلى فجوة في الإنتاج المحلي للقمح وزيادة الضغط على الموازنة العامة للاستيراد ولا سيما أن فاتورة الاستيراد أشد وطأة من فاتورة الدعم المقدمة للمزارعين.
– انخفاض دخل المزارعين : إلى جانب خسارة المحصول حيث أصبح المزارعون في معاناة كبيرة من خسارة مضاعفة تتمثل في غلاء مستلزمات الإنتاج (أسمدة، محروقات، أجور عمالة) والاضطرار لبيع ما تبقى من محاصيل بأسعار غير متناسبة مع التكاليف.
يذكر أن سوريا تعرضت العام الماضي لأكثر من 9600حريق شمل حقول القمح والغابات حيث تم تصنيف عام2025 كأسوأ عام يمر على الأراضي الزراعية بسبب الحرائق تبعاً لإحصائيات الدفاع المدني السوري.