الحرية – حسين الإبراهيم:
- متى تتحول متابعة أخبار الحروب من انتماء إنساني إلى إدمان يهدد الصحة النفسية؟
- ما الفارق بين الانتماء الصحي «مواكبة موجزة، دعم فعّال» والغرق القهري في تفاصيل الصدمات؟
- كيف تساهم خوارزميات منصات التواصل في تغذية ما يُعرف بالتمرير القهري وزيادة القلق المزمن واضطرابات النوم؟
- لماذا يظهر إدمان أخبار الحروب بقوة في سوريا والوطن العربي أكثر من غيره من المجتمعات؟
عند الفجر، قبيل أن يلمع النور في الشرفة، يستيقظ عصام في السرير على ضوء أصفر يقطع الظلام، يفتح فيسبوك، يمرّر بخفة، يقرأ خبر قصفٍ جديد، يتنقل من صفحة إلى أخرى، يشارك الخبر، يغضب، يحزن، ثم يعود بعد ساعة ويكرر المشهد.
لا ينتهي الأمر هنا، فبعد الوجبة الصباحية، وفي الطريق إلى العمل، وفي لحظة الراحة، وقبل النوم، يتناول الهاتف، يقرأ، يشارك، يغضب، يفرح، يحزن، ويكرر.
هذا ليس متابعاً فحسب، بل رجلٌ تحولت متابعته إلى طقس يومي يُشبه الوسواس القهري، القمر يلمع، والناس ينهضون، وهو يتلمس الهاتف كمن يتلمس عبادة، لا يتوقف، لا يهدأ، يصبح القلق روتيناً، والصدمة عملاً يومياً.
سؤال يطرح نفسه بقوة: أين ينتهي دور المواطن الواعي الذي يتابع قضايا أمته ويبحث عن حل، ويبدأ دور المدمن الذي يغرق في التفاصيل حتى يمرض؟
الانتماء الحقيقي ليس أن تغرق في التفاصيل حتى تمرض، بل أن تكون شاهداً عادلاً دون أن تصبح ضحية ثانوية للحرب، المتابعة قد تكون تعاطفاً، وقد تكون هوساً، الفرق بينهما يُمسّى بالحدس، وبالحدود، وبالصحة.
نحاول هنا اكتشاف هذا الفرق، ونفحص إيجابيات الانتماء، ثم نغوص في الجانب المظلم، ونحلل المخاطر النفسية، ونبحث في أسباب الظاهرة في سوريا والوطن العربي، ونقدم اقتراحات عملية.
إيجابيات الانتماء: جانب يضيء
متابعة أخبار الحروب قد تكون تعبيراً عن التعاطف الإنساني وروح التضامن مع غزة والسودان ولبنان والخليج، وسائل التواصل ساهمت في كشف الظلم، وتنظيم حملات إغاثة، وإسماع صوت الضحايا، في بعض الحالات، حوّلت الهاشتاغات إلى أموال واقعية تُتبرع، وأدارت جداول إغاثة.
الانتماء الصحي يتكون من مواكبة موجزة، ودعم فعّال، ومشاركة مسؤولة، هذا النمط يعزز التضامن دون أن يهدم الحياة.
الجانب المظلم: الغرق في التفاصيل
المشكلة تكمن في تحول المتابعة من «واجب أخلاقي» إلى هوس يومي، يبدأ مع الاستيقاظ وينتهي مع النوم، وأحياناً يحرم النوم، شخص سوري يقضي 8 ساعات يومياً يتنقل بين أخبار غزة ولبنان والخليج، تاركاً عمله وأسرته، مثال واقعي على هذه الظاهرة.
هناك مصطلح Doomscrolling، وهو يعني التمرير القهري رغم الشعور بالضيق والقلق. الخوارزميات تدفع للمزيد من الصور الصادمة، والشعور بالعجز يتحول إلى استهلاك، والرغبة في «عدم تفويت شيء» تُغذي الهوس.
المخاطر النفسية: صورة لا تُدرس
المتابع الذي يغرق في تفاصيل الحروب يعيش في حالة تأهب دائمة، هذه حالة القلق المزمن (Chronic Anxiety): العيش وكأن الحرب تحدث في الغرفة المجاورة.
تقول «ليدا رحال»، متخصصة في علم النفس الاجتماعي من جامعة حمص:
«المتابعة المتكررة لأخبار الحروب والكوارث قد تُسبب ما يُعرف بالصدمة الثانوية (أو الصدمة البديلة / إجهاد الشفقة)، الشخص لا يعايش الحدث بشكل مباشر، لكن التعرض المتكرر للصور والمشاهد المؤلمة يُطوّر أعراضاً شبيهة باضطراب ما بعد الصدمة: توتر وقلق مستمر، صعوبة في النوم، مشاعر عجز ويأس، وتجنب، أو بالعكس انجذاب قهري للأخبار.
مع انتشار وسائل التواصل وسهولة الوصول إلى محتوى الحرب، يعاني كثير من الأشخاص من هذه الأعراض، البعض استطاع التخفيف منها، والبعض لا يعلم المسبب أو كيف يتعامل معها».
التحول
عن سؤال حول انتقال متابعة أخبار الحروب من انتماء إنساني إلى إدمان يهدد الصحة النفسية، تقول «جيهان جزدان»، المتخصصة في علم النفس، مسؤولة قسم الحماية مع المجلس الدنماركي للاجئين في حماة:
«يحدث ذلك حين يصبح التصفح القهري للأخبار هاجساً يسيطر على يومك، فتظهر علامات الإدمان وتأثيره السلبي من خلال: التفقد القهري، أي التحقق المستمر من الإشعارات ومتابعة التحديثات حتى في أوقات الراحة أو قبل النوم مباشرة؛ والاستنزاف الانفعالي عبر سيطرة مشاعر العجز، الخوف المستمر، أو الشعور بالخدر العاطفي وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية؛ والمشكلات الجسدية مثل التوتر العضلي، تسارع ضربات القلب، الصداع، وفقدان التركيز».
الانعكاسات
- اضطرابات النوم (Sleep Disorders) التي تظهر بشكل كوابيس وأرق بسبب التعرض المستمر لمشاهد العنف والصدمات، دراسات غربية عن «أخبار الكوارث» أثبتت زيادة القلق مع التعرض المتكرر لأخبار صادمة.
- الاكتئاب والشعور بالعجز (Depression & Helplessness) ويظهران في عبارة: «كل ما أفعله لا يكفي، والعالم يحترق»، هذا النمط يهدم الثقة بالنفس.
- الإرهاق العاطفي (Emotional Exhaustion) وهو فقدان القدرة على الشعور أو التعاطف بعد تشبع المشاهد المؤلمة، بعد فترة من الزمن، يصبح القلب بارداً.
- إهمال الذات والحياة الواقعية (Self-Neglect) ويظهر في تفكك العلاقات، تراجع العمل، فقدان الهوايات، وتدهور الصحة الجسدية، الحياة تُهمل.
للأسف، لا أحد يدرس هذه الآثار في المجتمعات العربية رغم خطورتها، بينما يوجد في الغرب أبحاث عن «أخبار الكوارث» وتأثيرها على الصحة العامة، هذا الفراغ البحثي يهدد المتابع العربي.
لماذا يحدث هذا؟
يُصبح القرب الجغرافي والثقافي من بؤر الصراع (لبنان، غزة، سوريا نفسها) سبباً في تشارك المعاناة، التزاماً بالمسؤولية القومية والدينية والإنسانية تجاه قضايا الأمة، يُصبح دافعاً للمتابعة المستمرة.
الإحباط الرسمي: غياب الحلول السياسية، حوّل الناس إلى مستهلكين تعويضيين للأخبار كبديل عن الفعل، الخوارزميات تخلق فقاعات ومضخات إعلامية للحروب، لأن الصدمات تدرّ أرباحاً، هذه الدورة تدمّر.
أفكار عملية
- الوعي أولاً: التعرف على إدمان الأخبار كسلوك مرضي يحتاج إلى إدارة، بدون وعي، لا إصلاح.
- التوقيت الصحي: تخصيص 30 دقيقة صباحاً و15 دقيقة مساءً فقط لمتابعة الأخبار، وليس كل ساعة، إيقاف الإشعارات وتصنيف الأخبار اليومية يساعد.
- مصادر انتقائية: متابعة جهتين موثوقتين بدلاً من 20 حساباً ومنصة، هذا يقلل التدفق الصادم.
- بدائل الانتماء الفعّال: التطوع، الدعم المالي، الدعاء، ونشر الوعي بمقالات هادفة بدلاً من إعادة التغريد العاطفي، الفعل الحقيقي يُعوّض الاستهلاك.
- «ديجيتال ديتوكس» أسبوعي: يوم بلا أخبار حروب، مع الطبيعة، العائلة، الرياضة، هذا يعيد التوازن.
- طلب المساعدة النفسية عند ظهور أعراض القلق أو الأرق المستمر: كسر الوصمة ضروري، الصحة النفسية ليست ضعفاً.
أفق مفتوح
العودة إلى السؤال الافتتاحي: الانتماء الحقيقي ليس أن تغرق في التفاصيل حتى تمرض، بل أن تكون شاهداً عادلاً دون أن تصبح ضحية ثانوية للحرب.
من حق الضحايا علينا أن نسمع قصتهم، لكن ليس من حقنا أن ندفن أنفسنا أحياء في تفاصيل موتهم.