الحرية – رشا عيسى:
تعود العلاقات السورية – الخليجية إلى الواجهة من بوابة الاقتصاد، وكجزء من إعادة صياغة أوسع لموازين الحضور والمصالح. فما يجري اليوم يتعدى الحديث عن استثمارات وفرص إعادة إعمار، بل هو بلورة لصيغة علاقات جديدة عنوانها الشراكة لا القطيعة، تربط الاستقرار بالاقتصاد، وتعيد فهم رأس المال الخليجي ودوره في بيئات خرجت من الحروب ولكن لا تزال تعيش تبعاتها.

وبين حرص دمشق على إعادة تشغيل اقتصادها المتعثر، وسعي دول الخليج العربي لتوسيع حضورها الاستثماري في أسواق واعدة أو قيد التشغيل، تتقدم الإمارات العربية المتحدة كنموذج لهذه العلاقات الجديدة، بما تحمله من خبرات تراكمت خلال عقود في إدارة المشاريع الكبرى، وتوظيف الاقتصاد كأداة لمزيد من الحضور المزدوج سياسياً واقتصادياً.
كسر المراوحة الاقتصادية
يرى رئيس غرفة تجارة دمشق، الدكتور عامر خربوطلي، أن الاستثمار الخارجي بات اليوم «رهان النهوض الحقيقي للاقتصاد السوري»، معتبراً أن الاقتصاد سيبقى «حبيس المراوحة» ما لم تنجح دمشق في جذب رؤوس الأموال العربية والخليجية، وفي مقدمتها الإماراتية. ويؤكد خربوطلي لـ«الحرية» أن العلاقات الاقتصادية مع الإمارات تحمل عناصر قوة مهمة، تبدأ من الوفرة المالية الكبيرة لدى الشركات والصناديق الاستثمارية الإماراتية، ولا تنتهي عند وجود رجال أعمال سوريين نجحوا خلال العقود الماضية في بناء حضور اقتصادي مؤثر داخل السوق الإماراتية.
وبحسب خربوطلي، فإن التجربة الإماراتية في قطاعات العقارات والمناطق الحرة والخدمات اللوجستية والسياحة والنقل تشكل نموذجاً يمكن لسوريا الاستفادة منه خلال مرحلة إعادة بناء الاقتصاد، ويضيف أن أبو ظبي ودبي استطاعتا خلال أقل من ثلاثة عقود تحقيق قفزات نوعية في البنية الاستثمارية والتنموية، ما يمنح الشراكة مع الإمارات بعداً استراتيجياً يتجاوز فكرة التمويل التقليدي.
التكامل الإنتاجي
لكن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتدفق الأموال أو إعادة فتح الأسواق، بل ببناء تكامل اقتصادي عربي قادر على توفير مشاريع إنتاجية مشتركة.
ويشير خربوطلي إلى أن الشركات الكبرى تبحث دائماً عن الأسواق الواسعة واقتصاديات الحجم الكبير، ما يجعل التكامل الصناعي والتجاري العربي ضرورة لتخفيض كلفة الإنتاج وزيادة القدرة التنافسية للسلع العربية. ويرى أن نجاح أي مشروع تكاملي يتطلب معالجة تحديات مرتبطة بحرية انتقال البضائع والانفتاح الاقتصادي العربي، وآليات الربط بين الأسواق.
وفيما يتعلق بالقطاعات المرشحة للاستثمار الخليجي داخل سوريا، يضع خربوطلي العقارات والبناء والسياحة والمراكز التجارية في مقدمة المجالات الجاذبة، إلى جانب الصناعات التحويلية والاستخراجية والخدمات التقنية والتكنولوجية، وهي قطاعات تمتلك فيها دول الخليج خبرات متقدمة يمكن أن تنقل جزءاً منها إلى الداخل السوري عبر شراكات مباشرة مع القطاع الخاص المحلي. ويعتبر أن “الاستثمار المباشر” يبقى الأكثر تأثيراً على الأرض، خصوصاً في مجالات الصناعة والبنى التحتية والطرق والإسكان، لما يتركه من أثر تنموي طويل الأمد على الاقتصاد وفرص العمل.
المصالح الاقتصادية
من جهته، يرى الخبير في الاقتصاد السياسي، الدكتور ماهر التمران، أن المنطقة تشهد تحولاً واضحاً في طبيعة العلاقات العربية – العربية، بعد سنوات طويلة من الصراعات والاستقطابات السياسية. ويوضح التمران لـ«الحرية» أن العلاقة بين سوريا ودول الخليج، وخصوصاً السعودية والإمارات، لم تعد تُختصر بالتبادل التجاري أو المساعدات المالية، بل باتت تتجه نحو بناء شراكات اقتصادية مرتبطة بالاستقرار الإقليمي طويل الأمد.
ويضيف أن الاقتصادات القائمة فقط على الاستيراد أو التبادل التجاري تبقى هشة أمام الأزمات السياسية والمالية، بينما تؤسس المشاريع الإنتاجية لشبكات مصالح أكثر عمقاً واستدامة، لأنها ترتبط بالطاقة والموانئ والبنى التحتية وفرص العمل والاستثمارات الثقيلة. وبحسب التمران، فإن دول الخليج باتت تنظر إلى الاقتصاد بوصفه جزءاً من أدوات الاستقرار السياسي في المنطقة، ما يفسر الاهتمام المتزايد بقطاعات النقل والطاقة والخدمات والمشاريع الكبرى، باعتبارها استثمارات تبني حضوراً دائماً يصعب التراجع عنه لاحقاً.
اللاعب الأقوى
وفي مقابل بطء الحكومات وتعقيدات القرار السياسي، يعتقد التمران أن القطاع الخاص يمتلك قدرة أكبر على دفع العلاقات الاقتصادية العربية الجديدة إلى الأمام، نظراً لما يتمتع به من مرونة وسرعة في بناء شبكات التعاون والاستثمار. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن نجاح أي شراكة اقتصادية لن يقوم على المال وحده، بل يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، ووضوح في التشريعات، ومؤسسات قادرة على حماية المستثمرين وضمان استمرارية المشاريع.
ويرى التمران أن التحدي الحقيقي أمام سوريا اليوم لا يكمن فقط في جذب رؤوس الأموال الخليجية، بل في قدرتها على تحويل هذه الأموال إلى مشاريع إنتاجية مستدامة، تؤسس لدورة اقتصادية جديدة تتجاوز منطق الاستثمارات المؤقتة المرتبطة بالتحولات السياسية الآنية.
آفاق جديدة
ويشكل المنتدى الاستثماري السوري – الإماراتي الأول، المنعقد في دمشق، فرصة لبحث آفاق التعاون الاستثماري والاقتصادي بين البلدين، وتوسيع مجالات الشراكة في القطاعات التنموية والإنتاجية، بما يسهم في دعم فرص الاستثمار وتبادل الخبرات بين سوريا والإمارات.