الحرية – أنطوان بصمه جي:
يعكس استلام محصول القمح للعام الحالي مشهد سباق صامتاً ضد الزمن وتحديات المناخ واللوجستيات. فمع اقتراب ذروة موسم حصاد القمح، الذي يعد الاستحقاق الاستراتيجي الأبرز في سوريا، يبرز سؤال محوري يتجاوز كميات الإنتاج إلى كفاءة التجميع: كيف سيصل «الذهب الأصفر» من أيادي المزارعين إلى الصوامع دون هدر في الوقت أو المال؟
وتكشف مؤسسة الحبوب عن خارطة طريق لوجستية ورقمية طموحة، قد تعيد تعريف العلاقة بين المزارع والدولة، وتنهي الطوابير المرهقة، لتضع رقمنة القطاع الزراعي على المحك الحقيقي لأول مرة في ريف حلب.
12 مركزاً لتسويق الأقماح تغطي أرياف المحافظة
منسق المؤسسة السورية للحبوب في حلب، بلال الأخرس، كشف في تصريح خاص لصحيفة «الحرية» عن خطة تشغيلية متكاملة لاستقبال المحصول، أبرز سماتها التوسع الأفقي والتحول الرقمي، مشيراً إلى أنه تم تجهيز 12 مركزاً لتسويق الأقماح للموسم الحالي، منتشرة في أرياف المحافظة لتغطي أكبر مساحة جغرافية ممكنة، مع استمرار العمل لاستكمال موقعين إضافيين لتعزيز الطاقة الاستيعابية.
نظامان للاستلام.. «دوكمة» و«مشولة»
وعن أنماط استلام محاصيل القمح، نوه الأخرس بأن مراكز الاستلام لن تكون نمطاً واحداً، بل صممت لتناسب طبيعة المحصول اللوجستية. ففي أرياف حلب سيتم استلام الأقماح بنظام «الدوكمة» – أي التعبئة في أكياس – في مواقع تل بلاط، مارع، الراعي، الجلبية، عين العرب، كفرجوم، والغندورة، بينما ستستقبل الأقماح «المشولة» (السائبة) في مراكز بردة، مسكنة، جب ماضي، تل السوس، وجبرين. ويمثل هذا التمايز في الاستلام مرونة لوجستية تقلص الضغط على المراكز وتسرع عمليات التسليم.
الآلية الجديدة.. حجز الدور الإلكتروني لأول مرة
وأضاف الأخرس أنه تم طرح آلية جديدة تتمثل في رقمنة آلية الاستلام لأول مرة عبر نظام «حجز الدور الإلكتروني»، حيث تهدف هذه الآلية إلى تبسيط الإجراءات، تخفيف الازدحام الخانق أمام المراكز، وتقليص فترات الانتظار التي كانت تستنزف وقت المزارعين وجيوبهم.
خطوات الحجز.. موقع إلكتروني برقم الهاتف فقط
وأوضح الأخرس أن الآلية بسيطة ولا تتطلب خبرة تقنية عالية، بحيث يدخل المزارع إلى الموقع الإلكتروني المخصص، يسجل دخوله برقم هاتفه الجوال، ثم يرفع صورة عن بطاقته الشخصية وشهادة المنشأ، ويحدد موقع التسليم المطلوب، بعدها تتولى المؤسسة عملية التثبت وتأكيد الحجز، ليتوجه المزارع في الموعد المحدد دون عناء.
التعويضات المالية
وعلى صعيد التعويضات المالية، أكد الأخرس أن الدفع سيتم حصراً عبر المصارف الزراعية، مشيراً إلى آلية رقابية جديدة تستند إلى إعداد تقارير دورية للمصارف عبر برنامج محاسبة خاص بمؤسسة الحبوب. وهذه الآلية تهدف إلى ضمان الشفافية ومنع أي تلاعب في مستحقات المزارعين، وتسريع دورة المدفوعات التي لطالما شكلت نقطة احتكاك مع الفلاحين.
إعادة هندسة «دورة الثقة» بين المزارع ومؤسسات الدولة
الجدير بالذكر أن الخطة التي كشف عنها الأخرس تتعلق بمحاولة جادة لإعادة هندسة «دورة الثقة» بين المزارع ومؤسسات الدولة، من خلال الانتقال إلى الحجز الإلكتروني. ويبقى نجاح التجربة مرهوناً بجودة الإنترنت في الأرياف ومدى جهوزية المزارعين للتعامل مع المنصة، لكنها بلا شك ترسم ملامح مستقبل تصبح فيه زراعة القمح في سوريا لحظة اختبار حقيقية لـ«حوكمة» القمح.