وسائل التواصل الاجتماعي أولى أسباب الطلاق

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – بادية الونوس:

بدأت الحكاية بنقرات وإعجابات، وانتهت بوقوع زوجها في شباك علاقة مع فتاة مراهقة، لم تقف «الخيانة» عند حدود المشاعر، بل تحولت إلى استنزاف مالي أعمى، هكذا تقول سوزانا عن زوجها الذي أنفق أموالاً طائلة دون تفكير على حساب استقرار بيته وأولاده.

عيسى: هناك حاجة ملحة لتطوير القوانين لمواكبة التطور التكنولوجي

هي واحدة من مئات الحالات التي انتهت إلى القضاء بسبب تعارف لعلاقة عابرة عبر وسائل التواصل، بسبب هذا الفضاء الأزرق الجذاب لما يتيحه من مساحات للتعارف دون قيد وبحرية مطلقة، إذ تعد الخيانات الرقمية في أولى أسباب الطلاق في المجتمع، وهذا ما يؤكده المحامي حسن عيسى أن عدد دعاوى الطلاق بسبب التعارف عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليست بالقليلة، وهي منتشرة في المجتمع بشكل كبير، فيما تؤكد الاستشارية النفسية عزة الكردي أن عدد حالات الطلاق بالعموم وفق الإحصائيات تزيد عن 46 ألف حالة طلاق، مقترحة استبدال التصفح العشوائي بحوارات يومية مباشرة تعيد بناء المتانة العاطفية.
عن هذا الموضوع وانعكاساته على الأسرة والمجتمع والاقتراحات للتخفيف منها، هذه نقاط موضوعنا هذا.

مدعاة ضرر
إن عدد الحالات التي تراجع القضاء بسبب وسائل التواصل الاجتماعي أو ما يسمى بـ «الخيانات الرقمية» ليست بالقليلة بسبب سهولة استخدام هذه الوسائل بأنواعها، وفق المحامي عيسى.
وعن الحكم القانوني لهذا الموضوع في حال طلب أحد الزوجين دعوى تفريق بعد الإدانة المثبتة بالأدلة، يبيّن المحامي عيسى أنه عندما يقوم أحد الزوجين بسلوك خيانة يؤثر سلباً في الحياة الزوجية ويمس شرف وكبرياء الطرف الآخر، حتى لو كان هذا الفعل غير مجرم قانونياً مثل المحادثات الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه يظل مدعاة ضرر نفسي واجتماعي يستوجب ردة فعل قانونية لحماية حقوق الطرف المتضرر.
وعن الإجراءات التي يجب اتخاذها في حال طلب اللجوء إلى القانون، يبين عيسى لـ«الحرية» أنه هناك عدة خطوات:
 
دعوى التفريق وإثبات «الخيانة»
 
يمكن للزوج أو الزوجة المتضررين من هذا السلوك اللجوء إلى المحكمة الشرعية ورفع دعوى تفريق بناءً على «علة الشقاق»، وهي الخلافات والصراعات التي تحول دون استمرار الحياة الزوجية بسلام واستقرار.
وعلى الطرف المدعي أن يثبت سوء سلوك الطرف الآخر عن طريق أدلة وقائع، مثل رسائل أو مراسلات أو شهادات تؤكد أن الطرف الآخر كان يقوم بممارسات ذات طبيعة تنال من العلاقة الزوجية.

تقدير نسبة الإساءات
يقوم مجلس التحكيم الشرعي بدراسة القضية ويحدد نسبة كل طرف في إشاعة الخلافات (النسبة المئوية للإساءة)، على سبيل المثال، إذا ثبت أن الزوجة هي الطرف الأكثر إساءة، يصدر القاضي قرار التفريق مع اتخاذ إجراءات قانونية منها:
– حرمان الطرف المسيء (كالزوجة في هذه الحالة) من نسبة من مهرها وفق ما تحدده المحكمة.
– منح التفريق للزوج المتضرر.

هل هذا جرم معلوماتي؟
وتمكنت «هيا» من الحصول على كلمة سر حساب زوجها ومن ثم الدخول على الدردشات والمحادثات مع صديقته، وبعد اكتشاف العلاقة التي تربطه بها والأحاديث الغرامية، عمدت إلى حذف بعض الملفات المتعلقة بعمله، وذلك بعد نسخ الأدلة التي استخدمتها في المحكمة، توجهت إلى القضاء لرفع دعوى تفريق، لكن حدث شيء غير متوقع وهو أنها مدانة بالحبس لارتكابها جرماً معلوماتياً لأنها قامت بالدخول على حاسوب زوجها بشكل غير مشروع، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الدخول غير المشروع إلى الأجهزة يعد جرماً معلوماتياً؟
رغم أن المحادثات الإلكترونية قد لا تكون مجرمة في حد ذاتها، إلا أن وسيلة الإثبات التي يستخدمها الطرف المتضرر قد تعرضه للعقوبات حسب قانون الجرائم المعلوماتية، ويشير المحامي عيسى إلى العديد من الأمثلة المؤيدة لذلك، مثل حالة السيدة هيا التي ساقها لنا، يقول: ما حدث عندما استطاعت الزوجة الدخول إلى حساب زوجها الإلكتروني بشكل غير مشروع، وحصلت على أدلة أثبتت خيانته، لكن المحكمة الشرعية أصدرت حكماً بالتفريق بناءً على الأدلة، إلا أن الزوجة تعرضت لاحقاً لعقوبة حبس بسبب دخولها غير القانوني إلى حساب زوجها وحذفها ملفات متعلقة بعمله.

الحاجة لتطوير القوانين
رغم أن القوانين الشرعية تأخذ بعين الاعتبار هذه الخيانات وتأثيرها النفسي والاجتماعي، فإن التشريعات الحالية لا توفر حماية كاملة أو واضحة ضد الخيانات التي تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويرى المحامي عيسى أن هذا يعكس حاجة ملحة لتطوير القوانين لمواكبة التطور التكنولوجي.

الكردي: تطرح إرساء مفهوم “الفطام الرقمي” المشترك بين الزوجين حلاً للمشاكل

تبعات اجتماعية ونفسية
على الجانب الآخر، لهذه الظاهرة تبعات اجتماعية ونفسية على الأسرة والمجتمع، إذ تُشير الدراسات الحديثة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تحولت من مساحات للتعارف إلى أدوات لتفكيك الروابط الأسرية، فما عادت الخلافات الزوجية التقليدية هي المسبب الأول للانفصال، بل حلت مكانها “الخيانة الرقمية” والافتتان بالعوالم الافتراضية.

عوامل افتراضية للطلاق

ووفق الباحثة والاستشارية النفسية عزة الكردي، فإن التفكك يتسلل إلى الأسرة عبر عدة مسارات رقمية دقيقة:
– الإهمال العاطفي والخرس الزوجي، على سبيل المثال جلوس الزوجين في غرفة واحدة بوجوه موجهة للشاشات يُفقد العلاقة استقرارها ويصنع جداراً من الصمت الكثيف.
– المقارنات غير العادلة والمحاكاة من خلال رؤية صور «الحياة المثالية الزائفة» للمشاهير، تولّد سخطاً متبادلاً وميلاً نحو التقليد الأعمى للآخرين.
– سهولة العلاقات الموازية، حيث تتيح المنصات مساحات سرية لبناء علاقات عاطفية تضرب الثقة الزوجية.

ارتفاع مخيف في حالات الطلاق

وتشير الاستشارية الكردي بحديثها لـ«الحرية» إلى أنه كشفت بيانات المكتب المركزي للإحصاء عن ارتفاع مخيف في شهادات الطلاق المسجلة في سوريا لتبلغ 46,827 حالة طلاق سنوياً، مسجلة زيادة متصاعدة ومستمرة تدق ناقوس الخطر حول تماسك البنية الأسرية الحالية.

الحلول

تقدم الاستشارية الكردي رؤية خاصة عن الحلول الممكنة قائلة: إن الحل لا يكمن في إلغاء التكنولوجيا، بل في إعادة صياغة حدودها داخل المنزل. ومن هنا، أطرح فكرتي الخاصة لمواجهة هذه الآفة، وهي إرساء مفهوم «الفطام الرقمي المشترك بين الزوجين»، مشيرة إلى أنه لا يكفي أن يبتعد أحد الطرفين عن الهاتف، بل يجب تحويل «التعافي الرقمي» إلى طقس زوجي لكل أسرة يقوم على ركيزتين:
– إنعاش التواصل البصري والروحي المفقود يومياً لمدة ساعتين بعيداً عن استخدام الهواتف.
– الاتفاق على أن المال المصروف رقمياً يجب أن يخضع لمعايير العقلانية والمكاشفة في الحياة الواقعية.

مقترحات للحد منها

تختم الاستشارية النفسية عزة الكردي بعدة مقترحات للحد من التفكك الرقمي منها:
– يمنع منعاً باتاً إدخال الهواتف إلى غرفة النوم أو وضعها على مائدة الطعام لكسر حالة «الخرس الزوجي».
– استبدال التصفح العشوائي بنشاطات حركية أو حوارات يومية مباشرة تعيد بناء المتانة العاطفية.
– إدخال بند «الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا» ضمن فحص وتأهيل المقبلين على الزواج في المجتمع السوري للحد من الصدمة العاطفية اللاحقة.

Leave a Comment
آخر الأخبار