شبكات الحماية الاجتماعية: ليست تكتيكاً آنياً.. بل درع الفقراء في مواجهة الغلاء

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية– عثمان الخلف:

ثمة مشهد يتكرر كلما هبت رياح أزمة اقتصادية، إذ يلجأ الميسورون إلى مدخراتهم ومحافظهم المتنوعة وشبكات علاقاتهم، بينما يقف الفقراء في مواجهة العاصفة بصدور عارية تماماً، من دون أي وسائل حماية، فالأزمة واحدة، لكن ثمنها يتفاوت تفاوتاً فاحشاً حسب من يدفع.

حين تكون الصدمة انتقائية

يتحدث البعض عن «صدمات متماثلة» تضرب الجميع في آنٍ واحد، كارتفاع أسعار الغذاء وانهيار العملة وموجة التضخم الحادة، غير أن الصدمة متماثلة في مصدرها، لكنها غير متماثلة أبداً في أثرها.
ومن هنا يوضح الخبير الاقتصادي مازن الشاهين، في حديثه لـ«الحرية»، أنه حين ترتفع أسعار الخبز والزيت، يعيد الميسورون ترتيب قائمة تسوقهم، أما من ينفق 80% من دخله على الغذاء أساساً، فإن ارتفاع الأسعار يعني ببساطة أن أحد أفراد العائلة سيظل جائعاً، وهذا يُعد «تراجعاً في الرفاهية» عند فئة، ويغدو «تهديداً للبقاء» عند فئة أخرى، فالفارق بين المصطلحين ليس بلاغياً، إنه الفارق بين التضييق وبين الجوع.

الحماية.. حق لا مكرمة

يقول الشاهين إن شبكات الأمان الاجتماعي كثيراً ما تُقدم كمنحة طوعية تمنحها الدولة في أوقات الرخاء، وتُسحب حين يضيق الحال، ما يعمق الأزمات بدلاً من احتوائها، مؤكداً أن شبكات الحماية الاجتماعية (تحويلات نقدية، تأمين صحي، برامج تغذية، منح تعليمية) ليست إحساناً، بل هي بنية تحتية اجتماعية بالمعنى الدقيق، كالطرق والجسور.
ولا أحد يقترح هدم الجسور حين تشح الميزانيات، لأن العاقل يعرف أن كلفة إعادة البناء بعد الانهيار أكبر بكثير من كلفة الصيانة، والمنطق نفسه ينطبق على النسيج الاجتماعي.

وهن النسيج الاجتماعي

وحسب الشاهين، ثمة وهم مريح تتبناه أحياناً الطبقة الوسطى والميسورة، وهو أن انهيار الفقراء شأن يخصهم وحدهم، ويشير إلى أن الاستقرار الاجتماعي لا يتجزأ، فحين يعجز الآباء عن إطعام أبنائهم، ترتفع الجريمة، وحين تنهار الرعاية الصحية للفئات الهشة، تنتشر الأوبئة ويتسرب الأطفال من المدارس، وما يبدو أزمة هامشية عند الأطراف سرعان ما يتمدد نحو المركز.

ضرورة عاجلة.. واقتصاد لا يبني الأرقام فقط

وفي تصريح سابق لـ«الحرية»، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر أن التحول الاقتصادي الذي تشهده سوريا اليوم يحتاج إلى شبكات أمان اجتماعي قوية تضمن العدالة والاستقرار، مشدداً على أن الاقتصاد القوي هو الذي يبني الإنسان قبل أن يبني الأرقام.
وأشار إلى أن سوريا تمر بمرحلة تحول عميقة بعد حرب طويلة، ما جعل الفئات الهشة «محدودي الدخل، النازحين، كبار السن، الأطفال» تواجه ضغوطاً معيشية قاسية، أبرزها الفقر المدقع وانهيار سبل العيش.
وقال إن الاقتصاد السوري انكمش بأكثر من 50% بين عامي 2011 و2024، ما أدى إلى وقوع نحو 90% من السكان تحت خط الفقر، فيما ما زال كثيرون يعتمدون على المساعدات والأعمال المؤقتة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

Leave a Comment
آخر الأخبار