الحرية – حسين الإبراهيم:
- كيف تحوّلك خوارزميات الريلز من مفكر إلى مستهلك سلبي؟
- لماذا تشعر بالفراغ الذهني بعد ساعات من التمرير؟
- ما هي الآليات الخفية التي تجعل التوقف عن المشاهدة صعب المنال؟
- أين تكمن خطورة هذا النموذج الإعلامي على الوعي الجمعي والفردي؟
انخفض مدى انتباه الإنسان إلى ثماني ثوانٍ، أي أقل من عمر سمكة ذهبية، في المقابل، تضاعف استهلاكنا للمقاطع القصيرة التي تملأ منصات التواصل. إنها «الريلز» النموذج الإعلامي الاستهلاكي, الذي صُممت من خلاله مقاطع عابرة لتقديم المتعة السريعة والمعلومة المختزلة، لا للتعمق أو التثقيف، هدفها المعلن الترفيه، وغايتها الخفية استبقاء الإصبع على الشاشة أكبر وقت ممكن، لكنهم كُثر أولئك الذين يظنون أنها مجرد تسلية، بالرغم من أنها تعيد تشكيل الدماغ وفق منطق الاستهلاك، لا منطق التفكير.
هذا المقال محاولة لاكتشاف الآليات التي تستخدمها هذه المقاطع لاختطاف الانتباه، وأثرها في التركيز والصحة النفسية، ثم يضع خروجاً عملياً من هذا الفخ.
مصيدة الدوبامين
كل تمريرة لأعلى تمنح الدماغ جرعة سريعة من المتعة. قد يكون المقطع مضحكاً، أو يحمل مقطوعة موسيقا عذبة، أو معلومة خاطفة، الدماغ يحب هذا التنوع، فيفرز مادة الدوبامين التي تمنحنا شعوراً مؤقتاً بالرضا، لكن المشكلة تكمن في أن هذه المكافآت غير متوقعة، لا تعرف ما سيظهر في المقطع التالي، وهذا الغموض هو وقود الإدمان، علمياً، يسمى هذا النمط «التعزيز المتقطع»، وهو أقوى أدوات التكييف السلوكي، لأنه يعمل بالمبدأ نفسه الذي يجعل ماكينات القمار جذابة.
النتيجة حلقة مفرغة: تشتهي المزيد، وتجد صعوبة في التوقف، حتى حين تشعر بالملل من المحتوى نفسه.
ثقافة التفاهة وإعادة تشكيل العقل
الريلز ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة ضبط للوعي بامتياز. صممت خوارزمياتها لإغراق المتلقي بوابل من المحتوى السريع الذي لا يترك فرصة للتساؤل أو التأمل، كل مقطع يمر كالومضة، يثير انفعالاً عابراً، ثم يختفي ليحل محله آخر مختلف تماماً. هذا التتابع يمنع العقل من التوقف عند فكرة واحدة، ويكسر قدرته على بناء حجج أو استنتاجات. وفي كل ذلك يتوقف المتلقي عن التفكير، بل يزيد من مستوى الاستهلاك، يمرغ نفسه في ثقافة التفاهة حيث يصير الضحك السريع والمعلومة المختزلة والمشهد الصادم معادلاً وحيداً للقيمة، الأفكار المستهلكة هي البضاعة الرائجة: آراء جاهزة، أحكام مطلقة، صور نمطية، لا تحتاج إلى جهد.
في هذا النموذج، يُعاد إنتاج التابع، لا المواطن الواعي، الرابح الأكبر هو المنصة التي تحوله إلى مشاهد نهم، يظن أنه يختار، بينما هو في الحقيقة أداة لمضاعفة مشاهداته، وأسير نظام يربح من تشتته وجهله بآليات التأثير.
حين يتعود الدماغ على الاستهلاك السلبي، يفقد الرغبة في الاستكشاف والنقد، ويصبح أقل تأهلاً لاكتشاف أخطار هذه اللعبة، لأنه لم يعد يرى أنها لعبة أصلاً.
التركيز المهشم
يتكيف الدماغ مع وتيرة الريلز السريعة، يعتاد على تغير المشهد كل ثلاث ثوان، وعلى المعلومة التي لا تحتاج إلى تأويل، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حين نعود إلى قراءة كتاب، أو متابعة فيلم، أو كتابة تقرير مطول، نشعر بالملل سريعاً، ونبحث عن هاتفنا دون وعي، لم تعد أدمغتنا تحتمل «الانتباه المستمر» الذي تتطلبه المهام الجادة، وترسخت فيها عادة «الانتباه المتقطع» الذي يمنع إنهاء أي عمل يستحق العناء، هذا التشتت لا يسرق الإنتاجية فحسب، بل يستنزف الطاقة الذهنية، ننهي اليوم ونشعر بالإرهاق، بالرغم من أننا لم ننجز شيئاً يُذكر، لأن الدماغ أهدر وقته في التبديل بين مؤثرات لا رابط بينها.
أضرار لا تراها
لا يقف تأثير الريلز عند حد التشتت، حيث تعرض المقاطع حياة الآخرين في صورتها المثالية: السفر، النجاح، الوجوه المتألقة والهندام. الدماغ لا يفرق بين هذه الصور والواقع، فيقارنها بحياتنا العادية، وينتج عن ذلك شعور خفي بالنقص وقلق مزمن، خاصة لدى المراهقين، أضف إلى ذلك تأثير الضوء الأزرق، والشحن العاطفي السريع قبل النوم، فتنقلب ساعات الراحة إلى ساعات تمرير، وينخفض عمق النوم، فتستيقظ متعباً، والأخطر أن التفاعل هنا سطحي، كثرة المتابعين والتعليقات العابرة لا تعوض غياب العلاقات الحقيقية، بل تزيد الشعور بالعزلة.
سلوك المستخدمين
تشير الإحصاءات إلى وصول حجم استهلاك الريلز في الولايات المتحدة، إلى ما نسبته 46% من إجمالي الوقت الذي يقضيه المستخدمون على إنستغرام في عام 2025، بارتفاع يتجاوز 37% عن العام الماضي، كما أن أكثر من نصف إعلانات المنصة تُعرض عبر هذا التنسيق، ما يعكس تحولاً كبيراً في سلوك المستخدمين،
في المقابل، تراجع متوسط وقت المشاهدة الأسبوعي للتلفزيون والأفلام التقليدية من 21 ساعة في عام 2022 إلى 19 ساعة في عام 2025، بينما استقر وقت مشاهدة محتوى منصات التواصل والمبدعين عند 11 ساعة أسبوعياً.
أظهر مسح وطني في المكسيك، أن 62.5% من السكان البالغين قرأوا كتاباً خلال العام الماضي، بينما 45.7% قرأوا صفحات إنترنت أو منتديات أو مدونات. والأهم أن 83.5 مليون شخص (أي نحو 8 من كل 10) أعلنوا أنهم يقرؤون محتوى على شبكات التواصل الاجتماعي، لكن 16.2% منهم يقتصر استهلاكهم على هذا النوع من القراءة فقط ولا يقرؤون أي مواد أخرى كالكتب أو المجلات.
هذه الأرقام ترسم صورة لمشهد إعلامي متغير، من جهة، تهيمن المقاطع القصيرة على اهتمامنا ووقتنا، ومن جهة أخرى، تبقى القراءة المتعمقة حاضرة بقوة، وإن كانت تتنافس مع فيض من المحتوى الاستهلاكي السريع الذي يعيد تشكيل عاداتنا الذهنية.
استعادة السيطرة
ليس الريلز شراً مطلقاً، ولا يمكن وصفه بالسم النقي، هو أداة، مثلها مثل أي ابتكار، تأتي سلبيتها من سوء الاستخدام، الوعي بالآليات السابقة هو الخطوة الأولى والأهم. بعده، نمضي إلى إجراءات عملية،
حدد وقتاً مخصصاً للمشاهدة، واستعمل مؤقتاً ينبهك عند انتهائه، رتب الحسابات التي تتابعها، واحذف ما يثير قلقك أو يضيع وقتك بلا فائدة، خصص ساعة يومياً «للصيام الرقمي»، ابتعد فيها عن الهاتف بالكامل، مارس رياضة، أو اقرأ كتاباً ورقياً، أو اجلس مع أهلك دون شاشات. المنصات تتحمل جزءاً من المسؤولية، وتقع عليها واجبات في توفير أدوات تحكم أوضح، لكن المعركة الحقيقية تدور في داخلنا، حان الوقت لتقييم عاداتنا الرقمية، وحماية ما تبقى من انتباهنا في هذا العالم المتشوش،
الفعل بسيط: أغلق التطبيق الآن، انهض من مكانك، وامضِ دقيقة في الصمت، دماغك يحتاج إليها، ووقتك يستحق أكثر من مجرد تمرير.
ليس الريلز عدواً، لكن الاستهلاك الأعمى هو الآفة، هي وجبة سريعة للعقل، تصلح كمسلّية عابرة، ولا تصلح أن تكون طعاماً يومياً.
ليس المطلوب أن نعيش في برج عاجي، ننبذ فيه كل متعة سريعة، ونتحلّى بجدية زائدة، الترفيه يحتاج إليه العقل كي يستريح، والروح كي تتنفس، لكن الفرق شاسع بين ترفيه يُشعل فضولك، ويحرّك فيك سؤالاً، ويدعوك إلى التأمل، وبين ترفيه يُطفئ وعيك، ويجعلك مجرد ناقل تمريري لا يملك من أمره شيئاً.
الريلز، كغيرها من الأدوات، يمكن أن تكون نافذة على العالم، أو سجناً للعقل، الخيار لك، في كل مرة تفتح فيها التطبيق، اسأل نفسك: هل أنا هنا لأستريح، أم لأهرب؟ هل هذا المحتوى يضيف إليّ، أم ينتزع مني؟ العقل القادر على التساؤل هو وحده القادر على الحماية، امنح نفسك فرصة أن تكون متفرجاً واعياً، لا ضحية خوارزمية بارعة. الترفيه الحقيقي هو ما يترك فيك أثراً، لا فراغاً.