الحرية– دينا عبد:
تشهد سماء العالم يومي غد وبعد الغد في 12 و13 آب 2026 سلسلة من الظواهر الفلكية اللافتة، تجعل من هذه الفترة موعداً استثنائياً لعشاق الفلك وهواة رصد السماء، مع تزامن ثلاثة مشاهد سماوية بارزة تتمثل في اصطفاف كوكبي خلال ساعات ما قبل الفجر، وكسوف شمسي كلي في مناطق محددة من العالم، إضافة إلى ذروة زخة شهب البرشاويات خلال ليلة 12 إلى 13 آب.
اصطفاف كوكبي يزين الفجر
وأوضح الدكتور محمد العصيري، رئيس الجمعية الفلكية السورية، في تصريح لصحيفة «الحرية» أن هذه الظواهر الفلكية تبدأ في ساعات ما قبل شروق الشمس، حيث يظهر في السماء مشهد كوكبي يضم ستة كواكب هي عطارد، والمريخ، والمشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون، ضمن امتداد قريب من دائرة البروج.
ولا يعني ما يُعرف إعلامياً بـ«اصطفاف الكواكب» أن الكواكب تصطف فعلياً على خط مستقيم في الفضاء، وإنما تبدو من الأرض متقاربة على امتداد مسار واحد تقريباً، نتيجة طبيعة مداراتها حول الشمس. ويمكن رؤية بعض هذه الكواكب بالعين المجردة، بينما يحتاج رصد أورانوس ونبتون إلى وسائل بصرية مناسبة.
كسوف شمسي كلي
وبين الدكتور العصيري أنه خلال النهار، يكون العالم على موعد مع كسوف شمسي كلي، يحدث عندما يمر القمر بين الأرض والشمس ويحجب قرص الشمس بالكامل عن مناطق محددة ضمن شريط ضيق من سطح الأرض.
ويمر مسار الكسوف الكلي عبر مناطق من روسيا وغرينلاند وآيسلندا وأجزاء من إسبانيا، في حين تمتد منطقة الكسوف الجزئي إلى مساحات أوسع من أوروبا وشمال وغرب إفريقيا، أما في العالم العربي، فتتمكن أجزاء من المغرب والجزائر وموريتانيا من مشاهدة الكسوف بصورة جزئية، مع اختلاف نسبة احتجاب قرص الشمس من منطقة إلى أخرى حسب الموقع الجغرافي.
ولا يقع مسار رؤية الكسوف ضمن الأراضي السورية، وبالتالي لن يكون كسوف 12 آب 2026 مرئياً من سوريا.
ويختلف الكسوف الكلي عن الجزئي في أن الراصد الموجود ضمن منطقة ظل القمر الكامل يشاهد قرص الشمس محجوباً بالكامل لفترة قصيرة، بينما يشاهد الراصد الموجود ضمن منطقة شبه الظل جزءاً من قرص الشمس محجوباً فقط.
أكثر الظواهر إثارة
وبحسب العصيري، فإن هذه الكسوفات الشمسية تُعد من أكثر الظواهر الفلكية إثارة، إلا أن رصدها يتطلب الالتزام التام بإجراءات السلامة، وعدم النظر إلى الشمس مباشرة بالعين المجردة أو باستخدام أدوات بصرية غير مخصصة للرصد الشمسي، حتى أثناء الكسوف الجزئي.
شهب البرشاويات تزين الليل
ومع حلول الليل، يقول العصيري تنتقل الأنظار من الشمس إلى السماء لرصد واحدة من أشهر زخات الشهب السنوية، وهي زخة «شهب البرشاويات»، التي تبلغ ذروتها خلال ليلة 12 إلى 13 آب. وترتبط البرشاويات بالمذنب «سويفت – تتل»، إذ تعبر الأرض خلال الحطام والغبار الذي تركه المذنب على امتداد مداره حول الشمس، فتدخل الجسيمات الصغيرة الغلاف الجوي للأرض بسرعات كبيرة، وتتوهج نتيجة تفاعلها مع الغلاف الجوي، وتظهر لنا على هيئة خطوط ضوئية سريعة في السماء.
ويضيف العصيري إن البرشاويات تتميز بغزارتها النسبية وبظهور عدد من الشهب شديدة السطوع، ما جعلها واحدة من أكثر زخات الشهب شعبية وانتظاراً لدى هواة الفلك. وتزداد فرص رصد البرشاويات هذا العام نتيجة وجود ظروف قمرية مناسبة، إذ سيكون القمر قريباً من طور المحاق، وبالتالي سيكون تأثير ضوئه محدوداً على ظلمة السماء، الأمر الذي يساعد على رؤية الشهب الخافتة.
وبيّن العصيري أن أفضل أوقات الرصد تكون عادة بعد منتصف الليل وحتى ساعات ما قبل الفجر، ويفضل اختيار الأماكن البعيدة عن مصادر الإضاءة والتلوث الضوئي. ولا يحتاج رصد البرشاويات إلى تلسكوب؛ فالعيون المجردة هي الوسيلة الأفضل لمتابعتها، لأن مجال الرؤية الواسع يساعد على التقاط الشهب التي يمكن أن تظهر في مناطق مختلفة من السماء.
ومن المميز حسب العصيري أن الظواهر الفلكية الثلاث لا تتعارض من حيث أوقات الرصد؛ فالاصطفاف الكوكبي يظهر قبل الفجر، والكسوف الشمسي يحدث خلال النهار في المناطق التي يقع ضمن نطاق رؤيته، بينما تبلغ البرشاويات ذروتها خلال الليل، ما يجعل 12 آب يوماً فلكياً حافلاً يمتد من ساعات الفجر وحتى الليل.
رصد جماهيري في سوريا
وتسعى الجمعية الفلكية السورية خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع برامجها في مجال الرصد الفلكي الجماهيري والتعليم الفلكي، وتنظيم المزيد من الأنشطة والورش والمخيمات والفعاليات العلمية الموجهة للأطفال واليافعين والعائلات والطلاب، بما يسهم في تعزيز حضور علوم الفلك والفضاء في الحياة العلمية والثقافية في سوريا.
ويأتي الاهتمام بهذه الظواهر الفلكية ليس فقط باعتبارها مشاهد جميلة في السماء، وإنما لأنها تمثل فرصة لنشر المعرفة العلمية وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول الظواهر الفلكية، والتأكيد على أن الكون يمكن أن يكون مصدراً للدهشة والإلهام من دون الحاجة إلى الخرافة أو التفسيرات غير العلمية.
إن 12 و13 آب يمثلان فرصة مميزة للنظر إلى السماء من أكثر من زاوية؛ كواكب في ساعات الفجر، وكسوف شمسي خلال النهار في مناطق محددة من العالم، وشهب تعبر السماء خلال الليل.
وفي سوريا، ستكون الفرصة متاحة للجمهور للمشاركة في الرصد الفلكي المجاني الذي تنظمه الجمعية الفلكية السورية في نادي المحافظة بدمشق بالتعاون مع مديرية الأنشطة الثقافية والرياضية في محافظة دمشق، ليكون العلم والسماء متاحين للجميع.
السماء واحدة فوق الجميع، وربما كل ما نحتاجه أحياناً هو أن نرفع رؤوسنا إليها.