بين العمل والضغوط: كيف نحافظ على توازن حياتنا وعلاقاتنا؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- مها يوسف: 

في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد الالتزامات المهنية، يجد كثيرون أنفسهم تحت وطأة ضغوط يومية متراكمة، لا تنعكس على صحتهم النفسية فحسب، بل تمتد آثارها إلى علاقاتهم العائلية والعاطفية.

ومع تراجع المساحة الفاصلة بين العمل والحياة الشخصية، بات تحقيق التوازن بينهما تحدياً حقيقياً يفرض نفسه على الأفراد والمجتمع على حد سواء.

الدكتورة مايا بركات، المدرّسة في جامعة طرطوس- كلية التربية، قسم الإرشاد النفسي توضح أن هذه الضغوط لم تعد ظرفاً عابراً، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل طبيعة العلاقات الإنسانية واستقرارها، ما يستدعي فهماً أعمق لكيفية التعامل معها والحد من آثارها.

ضغط العمل

توضح الدكتورة بركات لـ”الحرية” أن العمل يمكن أن يكون سبباً غير مباشر في فشل العديد من العلاقات، حيث تسهم ساعات العمل الطويلة والإرهاق المستمر في تقليص الوقت المخصص للعائلة أو الأصدقاء. ومع تراجع الطاقة النفسية، تنخفض القدرة على التفاعل العاطفي والاستماع، ما يجعل الطرف الآخر يشعر بالتهميش.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الدوام، إذ يستمر الانشغال الذهني بمشكلات العمل حتى بعد العودة إلى المنزل، الأمر الذي يضعف الحضور العاطفي داخل العلاقة.

كما أن التوتر المتراكم غالباً ما يظهر على شكل انفعالات أو انسحاب، ومع الوقت قد يتراجع الاهتمام بالعلاقات لصالح الهوية المهنية، ما يعزز الشعور بالوحدة حتى داخل العلاقة نفسها.

إرهاق عاطفي

وتشير الدكتورة بركات إلى أن الإرهاق النفسي الناتج عن العمل قد يصل إلى حد تعطيل التواصل الأسري والعاطفي، نتيجة تداخل عوامل نفسية وفسيولوجية متعددة. فاستنزاف الطاقة العاطفية خلال يوم العمل يجعل أبسط أشكال التواصل عبئاً إضافياً، في ظل قدرة محدودة للذهن على الانتباه وتنظيم المشاعر، وهو ما يُفسر علمياً بما يُعرف “بنظرية الوعاء المحدود للانتباه” التي تفترض أن للإنسان طاقة ذهنية محدودة تُستهلك مع الضغوط اليومية.

كما أن المشاعر السلبية المرتبطة بالعمل لا تنفصل بسهولة، بل تنتقل إلى الحياة المنزلية، فتؤثر في طبيعة الحوار وردود الفعل. ومع الإرهاق، يميل الدماغ إلى تقليل الجهد، فيصبح الصمت أو الانسحاب خياراً أسهل من التفاعل، خاصة لدى من يسعون إلى تجنب أي ضغط إضافي.

توازن مفقود

وتؤكد الدكتورة بركات أن النجاح المهني لا يعني بالضرورة الفشل العاطفي، إلا أن الظروف المعاصرة تجعل العلاقة بينهما أقرب إلى التحدي المستمر. فثقافة “التوفر الدائم” والاتصال المستمر بالعمل تقلل من فرص الفصل بين الحياة المهنية والشخصية، في وقت تتطلب فيه العلاقات حضوراً ذهنياً ووقتاً كافياً. كما أن تأجيل الارتباط أو استنزاف الطاقة العاطفية في بيئة العمل يحدّ من القدرة على بناء علاقات مستقرة. وتشير دراسات حديثة إلى أن غياب التوازن بين العمل والحياة يعد من أبرز أسباب التوتر المزمن لدى الشباب. ورغم ذلك يمكن تحقيق التوازن من خلال وعي الأفراد بحدودهم، واستعدادهم لإعادة ترتيب أولوياتهم بما يضمن حضوراً متوازناً في مختلف جوانب الحياة.

صمت مقلق

وتلفت الدكتورة بركات إلى أن الصمت داخل المنزل لا يحمل دائماً دلالات سلبية، إذ قد يكون في بعض الأحيان تعبيراً عن الراحة والانسجام. إلا أن الصمت يتحول إلى مؤشر خطر عندما يرتبط بالتجنب والتوتر وغياب التواصل البصري، ويستمر لفترات طويلة دون محاولة كسره، في هذه الحالة يصبح الصمت وسيلة للهروب أو العقاب غير المباشر، ما يؤدي إلى تراكم المشاعر السلبية. وغالباً ما ينشأ هذا النمط نتيجة ضعف مهارات الحوار وعدم القدرة على إدارة الخلاف، الأمر الذي يجعل الصمت بديلاً من المواجهة، لكنه يفاقم المشكلة بدل حلّها.

اختلال التوازن

وتوضح الدكتورة بركات أن الإرهاق النفسي يؤثر بشكل مباشر في التوازن العاطفي والسلوكي داخل العلاقات، حيث يؤدي إلى تقلبات مزاجية، وانخفاض القدرة على التعاطف، والمبالغة في تفسير المواقف. كما يدفع الفرد أحياناً إلى الانسحاب أو إهمال التفاصيل اليومية، ليس بدافع الإهمال، بل نتيجة الانشغال الذهني المستمر. وقد يلجأ البعض إلى سلوكيات هروبية مثل الإفراط في استخدام الهاتف أو النوم، ما يزيد من ضعف التواصل. ومع استمرار هذا النمط، يختل التوازن بين الأخذ والعطاء في العلاقة، ويشعر الفرد بأن علاقاته أصبحت عبئاً بدل أن تكون مصدر دعم، وهو ما يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول) في حالات الضغط المزمن.

حلول واقعية

وترى الدكتورة بركات أن تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية يتطلب وعياً بأن تلبية جميع المتطلبات في الوقت نفسه أمر غير ممكن، وأن الحل يكمن في التناوب الواعي بين الأولويات.

كما تؤكد أهمية وضع حدود واضحة بين العمل والحياة الخاصة، وتخصيص الوقت للعلاقات الأساسية، ويمكن الاستفادة هنا من قاعدة “80/20” التي تقوم على توجيه الجزء الأكبر من الوقت والطاقة نحو العلاقات الأكثر أهمية وتأثيراً، إلى جانب ذلك يعد الحفاظ على الصحة النفسية من خلال النوم الكافي، والنشاط البدني، وتقنيات الاسترخاء، عاملاً أساسياً في استعادة التوازن.

كما يشكل تعلم مهارة قول “لا” وتنظيم الوقت وتخصيص يوم للراحة عناصر داعمة لهذا التوازن، مع التأكيد على أهمية طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة لتفادي تفاقم الضغوط.

Leave a Comment
آخر الأخبار