الحرية – عمار الصبح:
في وقت تتسارع فيه وتيرة الحياة العصرية وتزداد الظروف المعيشية صعوبة، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين للعمل ليلاً، رغم ما قد يحمله ذلك من أضرار جسدية ونفسية تتراكم بصمت، وبات من الصعب تجاهل ثمنها الباهظ على حياتهم، وهو ما دفع مراكز الأبحاث حول العالم لإجراء المزيد من الدراسات لرصد هذه الظاهرة، ووضع حلول للتقليل ما أمكن من أضرارها.
تهديد للساعة البيولوجية
يرتبط العمل ليلاً على المدى الطويل بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية وضعف الجهاز المناعي، وحدوث بعض أنواع السرطان واضطرابات الذاكرة، وذلك بحسب الكثير من الدراسات والأبحاث العلمية التي رصدت هذه الظاهرة وخلصت إلى أن جسم الإنسان مصمم على العمل نهاراً والنوم ليلاً، وأن أي تغيرات في هذا النمط ستحدث تأثيرات جسدية ونفسية، وخصوصاً إذا استمر العمل في الليل لمدة طويلة.
وفي هذا السياق، يؤكد مدرب مهارات التواصل نديم الأحمد، في حديثه لـ«الحرية»، أن غالبية الدراسات الحديثة أجمعت على خطورة العمل ليلاً على المدى الطويل، نظراً لارتباط هذا العمل بتغيرات فعلية في بنية الدماغ، مشيراً إلى أن هذا النمط من العمل يؤدي مع الوقت إلى تراجع في بعض مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة والانتباه وتنظيم المشاعر لدى العاملين ليلاً، والسبب ببساطة هو العبث المستمر في الساعة البيولوجية للجسم، المسؤولة عن تنظيم النوم واليقظة، ما يتسبب بحدوث اختلال تام في الإيقاع اليومي.
ويرى الأحمد أن الساعة البيولوجية تسير في إيقاع محدد خلال الـ24 ساعة، وهي مسؤولة عن دورة النوم والاسترخاء والاستيقاظ والنشاط، وهي المسؤولة عن إحساس المرء بالزمن والجوع والشبع، كما أنها حساسة جداً للتغيرات وتعمل وفق ضوء النهار وعتمة الليل، ومن هنا يشعر الكثيرون بالنعاس أحياناً في ساعة محددة يومياً، أو الاستيقاظ قبل أن يقرع صوت المنبه، وكذلك الحال بالنسبة للجوع والشبع.
مخاطر نفسية
من الناحية النفسية، يقول الأحمد إن العاملين ليلاً، لا سيما الطواقم الطبية، يعانون من معدلات اكتئاب وقلق أعلى من غيرهم، مع ضعف في جودة النوم وتراجع في القدرة على اتخاذ القرار.
ويضيف أن العمل في النوبات الليلية لفترات زمنية طويلة لا يقتصر فقط على إحداث خلل في الساعة البيولوجية، بل قد يتسبب في شيخوخة الدماغ وقدراته الفكرية، ويضعف من قدرة العقل على التفكير السليم، ومعالجة المعلومات، وسرعة الانتباه، إذ يؤثر العمل الليلي في القدرة الإدراكية ويضعف الذاكرة الطويلة الأمد، نتيجة تقاطع النوم مع ذروة نشاط الدماغ البيولوجي.
اضطرابات جسدية: مناعية وهرمونية
لا تقتصر المخاطر المتعلقة بالعمل ليلاً على الجانب النفسي فحسب، إذ تتسع لتشمل أيضاً الجوانب الجسدية، وتكشف الدراسات الحديثة أن قلة النوم العميق نتيجة العمل الليلي ترفع بشكل مباشر فرص الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، نتيجة حدوث خلل في بروتينات الدم المرتبطة بتنظيم الطاقة والالتهابات، مما يرفع ضغط الدم ومؤشرات التوتر حتى لدى الأشخاص الأصحاء، كما يؤكد خبراء النوم.
وتشير أبحاث نشرت في هذا السياق إلى أن العمل الليلي يؤثر في الإيقاعات البيولوجية للبروتينات المسؤولة عن تنظيم الجلوكوز والطاقة والالتهابات، مما يزيد من خطر الإصابة بالسكري والسمنة، وحدوث اضطراب إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم والمناعة، ويؤدي ذلك إلى تدهور قدرة الجسم على مواجهة الالتهابات.
وذهبت دراسات إلى أبعد من ذلك، إذ خلصت إلى وجود علاقة بين العمل الليلي الطويل الأمد وزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطانات كالبروستاتا والثدي.
نصائح لتقليل المخاطر
تخلص الدراسات والأبحاث العملية إلى استحالة جعل العمل الليلي «آمناً تماماً» بيولوجياً، لكنه يمكن أن يصبح أقل ضرراً بكثير إذا طُبّقت استراتيجيات دقيقة لإدارة النوم والضوء والغذاء والراحة.
ويرى مدرب المهارات الأحمد أن الهدف ليس مطالبة العاملين ليلاً بتغيير طبيعة عملهم إذا كانوا مضطرين إليه، بل إيجاد طرق أكثر واقعية تساعدهم على التعامل مع الواقع، أبرزها تنظيم جدول النوم، والالتزام بروتين نوم ثابت قدر الإمكان، حتى في أيام الراحة.
ويلفت إلى ضرورة تهيئة بيئة نوم مثالية بعد الوردية الليلية (غرفة مظلمة وهادئة ودرجة حرارة معتدلة)، إضافة إلى تجنب استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم بساعة على الأقل، واستخدام قناع العين وسدادات الأذن لتحسين جودة النوم.
بالإضافة إلى ذلك، يشير الأحمد إلى أن الدراسات الحالية تبحث في مدى فائدة القيلولة للعاملين بنظام المناوبات، حيث تشير بعض النتائج إلى أن النوم القصير خلال أو بعد ساعات العمل قد يقلل النعاس ويحسن التركيز، كما قد يساعد في تقليل مخاطر القيادة أثناء الشعور بالإرهاق بعد انتهاء العمل.