الحرية- آلاء هشام عقدة :
تشهد السياسة الضريبية في سوريا تحولاً واسعاً مع إعلان وزارة المالية عن حزمة إصلاحات جديدة تتضمن رفع سقف الإعفاء الضريبي إلى نحو 64 مليون ليرة سورية سنوياً، والانتقال من رسم الإنفاق الاستهلاكي إلى نظام ضريبة المبيعات، في خطوة تهدف إلى إعادة هيكلة المنظومة الضريبية وتوسيع القاعدة الإيرادية للدولة.
وحسب ما نقلته وكالة سانا عن وزير المالية محمد يسر برنية، فإن الإعفاء الضريبي يشمل من يقل دخله السنوي عن 50 مليون ليرة سورية قديمة، يضاف إليها 6 ملايين ليرة بدل إعالة و8 ملايين ليرة بدل معيشة (إيجار وطبابة)، ليصبح إجمالي الدخل المعفى من الضريبة نحو 64 مليون ليرة سنوياً، وهو ما وصف بأنه دعم مباشر لمحدودي الدخل.
وأكد الوزير أن هذه الشريحة ستبقى معفاة بالكامل من الضرائب، إلى جانب برامج حماية اجتماعية موجهة لها، مشيراً إلى أن النظام الضريبي الجديد يتضمن إعفاءات واسعة تشمل نحو 9300 سلعة وخدمة أساسية تتعلق بالغذاء والدواء واحتياجات المواطنين اليومية.
كما أوضح أن الحكومة تتجه إلى استبدال رسم الإنفاق الاستهلاكي بضريبة مبيعات أكثر بساطة ووضوحاً، مع اعتماد الفوترة الإلكترونية وتشديد الرقابة، إضافة إلى إطلاق ما يعرف بـ”القائمة الذهبية” لتحفيز المكلفين الملتزمين ضريبياً.
وأشار الوزير إلى أن النظام الضريبي الجديد يسعى إلى تحقيق العدالة الضريبية ومكافحة التهرب، في ظل وجود مهن وأصحاب دخول مرتفعة لا يلتزمون بدفع الضرائب.
مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد توسيع القاعدة الضريبية بشكل أكبر.
الإعفاءات تحقق العدالة.. لكن التنفيذ هو التحدي الحقيقي
في قراءة اقتصادية للتعديلات، قالت الدكتورة منى بيطار، رئيس مجلس إدارة نقابة الاقتصاديين فرع اللاذقية، في تصريح لـ”الحرية”، إن تطبيق ضريبة المبيعات يمكن النظر إليه من زاويتين، إيجابية وسلبية، وفق آليات التنفيذ.
وأوضحت أن إعفاء من يقل دخله عن 50 مليون ليرة سنوياً مع إضافة 6 ملايين ليرة بدل إعالة و8 ملايين ليرة بدل معيشة، يعكس تحقيق العدالة الضريبية الأفقية والعمودية، لأنه يراعي القدرة على الدفع والأعباء العائلية، ما يجعل النظام الضريبي أكثر ارتباطاً بالوضع الاجتماعي الحقيقي.
وأضافت أن الانتقال إلى ضريبة المبيعات يعد خطوة نحو نظام أكثر كفاءة، لأنه يخفف من تعدد مراحل الرسم الاستهلاكي، ويعتمد على ضريبة موحدة تُفرض عند مرحلة البيع النهائي، ما يقلل التعقيد ويرفع كفاءة التحصيل.
لكنها حذرت من أن نجاح هذا التحول يتطلب بنية تنفيذية صارمة تشمل: نظام فوترة إلكتروني فعال ، ورقابة ضريبية دقيقة ، ودفع إلكتروني شامل ، مؤكدة أن غياب هذه العناصر قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
مخاطر اقتصادية محتملة تضخم وتشوهات سعرية
وأشارت بيطار إلى أن تطبيق النظام الجديد قد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في الأسعار عند الإطلاق، خصوصاً إذا استغل بعض المنتجين مرحلة الانتقال لرفع هوامش الربح.
كما حذرت من أن تثبيت الإعفاء عند 64 مليون ليرة دون ربطه بمؤشر التضخم قد يفقده قيمته الحقيقية خلال فترة قصيرة، بسبب التغير السريع في القوة الشرائية.
وأضافت إن إعفاء السلع الأساسية ضمن قائمة تضم 9300 مادة قد يحد من الأثر السلبي على محدودي الدخل، لكنه قد يفتح الباب أمام تشوهات في السوق إذا لم يتم ضبط تصنيف السلع بشكل دقيق.
بين العدالة الضريبية وزيادة الإيرادات
ورأت بيطار أن من الإيجابيات المهمة في التصريحات الرسمية هو الإقرار بوجود “جنات ضريبية” لبعض أصحاب الدخول المرتفعة، مؤكدة أن توسيع القاعدة الضريبية وملاحقة التهرب يمكن أن يعوض أي انخفاض ناتج عن إعفاء محدودي الدخل. لكنها شددت على أن هذا الهدف لن يتحقق إلا إذا تم تطبيق النظام الجديد بشكل كامل وشفاف.
إصلاح ضريبي واسع… نجاحه مرهون بالتطبيق
يمثل مشروع الإصلاح الضريبي الجديد في سوريا، بما يتضمنه من إعفاء يصل إلى 64 مليون ليرة سنوياً، وانتقال إلى ضريبة المبيعات، محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمكلفين.
لكن وفق الخبراء، فإن نجاح هذا التحول لا يرتبط بالنصوص فقط، بل بقدرة الدولة على ضبط الأسعار، وتطبيق الفوترة الإلكترونية، وتحديث الإعفاءات بما يتناسب مع التضخم، لضمان تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية واستدامة الإيرادات.