الحرية – نهلة أبوتك:
تتزايد الأحاديث في سوريا حول عقود استثمارية واسعة، ومشاريع إعادة إعمار مرتقبة، وسط حالة من التفاؤل بإمكانية دخول البلاد مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي، لكن خلف هذا المشهد، يبرز سؤال أكثر عمقاً هل البيئة البشرية والمؤسساتية في سوريا جاهزة فعلاً للتعامل مع اقتصاد حديث تقوده التكنولوجيا والمعرفة والحوكمة الرقمية، أم إن سرعة التوقعات قد تتجاوز مستوى الجاهزية الفعلية؟
في هذا السياق، يؤكد الأمين العام للاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي الدكتور عماد دلول أن الحديث المتزايد حول الاستثمارات يجب أن يقابله تركيز موازٍ على تأهيل الإنسان والمؤسسات، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تدفق رؤوس الأموال، بل في القدرة على تحويلها إلى قيمة إنتاجية مستدامة ضمن بيئة مؤهلة.
فجوة المهارات وتحديات التكيف
ويطرح دلول إشكالية أساسية تتعلق بما يمكن وصفه بتفاوت الجاهزية البنيوية، حيث لم تقتصر آثار المرحلة الماضية على تراجع الإنتاج أو تضرر البنية التحتية، بل امتدت لتؤثر على العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وعلى جاهزية الكوادر للتعامل مع متطلبات الاقتصاد الحديث.
ويشير إلى أن الجامعات في كثير من الحالات لا تزال بعيدة نسبياً عن احتياجات السوق المتسارع، ما خلق فجوة واضحة بين المهارة المكتسبة والمهارة المطلوبة، ضمن ما يمكن اعتباره تحدياً متنامياً في مسار التكيف المهني مع التحولات العالمية.
الاستثمار ليس مالاً فقط.. بل كفاءة إنتاجية
وبحسب دلول، فإن المستثمرين في المرحلة الحالية لا ينظرون إلى الأسواق من زاوية رأس المال فقط، بل من زاوية الجاهزية البشرية والإدارية، وقدرة المؤسسات المحلية على العمل وفق معايير الحوكمة العالمية.
ويحذر من أن استمرار الفجوة بين المهارات المحلية ومتطلبات الاقتصاد العالمي قد يؤدي إلى تراجع دور الكفاءات المحلية في بعض القطاعات الحيوية لصالح خبرات خارجية أكثر جاهزية، في حال لم يتم تسريع وتيرة التأهيل والتحديث.
القطاع الخاص.. بين التحديث وإعادة التموضع
في قراءة أوسع، يشير دلول إلى أن القطاع الخاص السوري أمام مرحلة اختبار حقيقية، حيث لم تعد الخبرات المتراكمة أو المكانة التاريخية كافية وحدها لضمان الاستمرارية أو المنافسة في بيئة اقتصادية مفتوحة.
ويؤكد أن الشركات المحلية مطالبة بإعادة تطوير بنيتها الإدارية والمالية، والتحول من النماذج التقليدية إلى مؤسسات أكثر مرونة تعتمد على البيانات والتخطيط الحديث وسرعة الاستجابة، بما يواكب متطلبات الاستثمار الحديث.
التحول الرقمي كمسار أساسي
كما يرى دلول أن التحول الرقمي أصبح مساراً أساسياً لا يمكن تأجيله في أي عملية تحديث اقتصادي، موضحاً أن الاقتصاد الحديث يعتمد على الترابط بين البيانات والقرارات وليس على الهياكل التقليدية فقط، ويبرز في هذا السياق مفهوم العقل الرقمي المؤسسي، القائم على ربط المؤسسات الحكومية والخاصة ضمن منظومة واحدة تساهم في تحسين الأداء، وتقليل البيروقراطية، وتسريع اتخاذ القرار الاقتصادي والإداري.
الشباب.. محور التغيير القادم
من جانبها، ترى خبيرة التنمية البشرية لبنى الكردي أن مستقبل سوق العمل في سوريا يرتبط بشكل مباشر بقدرة الشباب على تطوير مهارات تتجاوز التعليم التقليدي.
وتوضح أن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق أصبحت واضحة، ما يفرض التوجه نحو التعلم المستمر، وإتقان المهارات الرقمية واللغات الأجنبية، والعمل ضمن بيئات مرنة قائمة على الإنجاز، حيث أصبح الاعتماد الأساسي في سوق العمل الحديث على المهارة لا الشهادة.
وفي هذا السياق، تشير الكردي إلى أن أي عملية تحديث اقتصادي لا يمكن أن تنجح دون رؤية متكاملة تبدأ من الإنسان وتمر عبر المؤسسات وصولاً إلى السياسات العامة، بما يضمن مواءمة التعليم مع سوق العمل، وتطوير بيئة داعمة لريادة الأعمال، وتعزيز قدرات الشباب على التكيف مع الاقتصاد المتغير.
اقتصاد يقوم على الإنسان قبل البنية
في المحصلة، يؤكد هذا الطرح أن أي موجة استثمارية، مهما كانت كبيرة، لن تحقق أثرها الكامل ما لم تُبنَ على قاعدة بشرية مؤهلة، وإذا لم تلتقِ مستويات الأفراد والشركات والحكومة عند نقطة واحدة هي تطوير الإنسان، فإن عملية النمو ستبقى غير مكتملة، مهما ارتفعت أرقام الاستثمارات.
ويبقى السؤال الأساسي مطروحاً: هل تستطيع سوريا الانتقال من اقتصاد يعتمد على المشاريع فقط، إلى اقتصاد يقوم على الإنسان والكفاءة والمعرفة؟