غلاء الأسعار في طرطوس.. تحديات اقتصادية متصاعدة وانعكاسات اجتماعية واسعة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – سمر رقية:

تشهد محافظة طرطوس، موجة متصاعدة من ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، في ظل ظروف اقتصادية معقدة وتحديات داخلية وخارجية متشابكة، ويضيف هذا الارتفاع أعباءً متزايدة على الأسر، ولا سيما ذوو الدخل المحدود، في وقت تتأثر فيه مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية بتغيرات أسعار المواد الأساسية وتكاليف النقل والطاقة.
وتعكس هذه التطورات الاقتصادية جملة من التحولات التي طالت سلاسل التوريد ومستويات الإنتاج والقدرة الشرائية، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق، وظهور انعكاسات اجتماعية تمس مختلف شرائح المجتمع، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية على الواقع المعيشي للعديد من الأسر.

أسباب الارتفاع

في هذا السياق، أكد الدكتور وجد الصائغ، الخبير والأستاذ في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري -فرع اللاذقية- في حديثه لـ«الحرية»، أن أسباب ارتفاع تكاليف المعيشة في محافظة طرطوس ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأزمة الاقتصادية التي تمر بها سورية عموماً، والتي تتداخل فيها العوامل البنيوية الداخلية مع الضغوط الخارجية التي تعيق مسار التعافي الاقتصادي.
ويرى الدكتور الصائغ أن الأسباب الرئيسية تعود إلى تراكمات اقتصادية ممتدة، وفي مقدمتها الإرث الثقيل للأزمة والأضرار التي لحقت بالبنية الإنتاجية خلال سنوات الحرب، إضافة إلى التحديات المرتبطة بتراجع قيمة العملة وما يرافقه من ارتفاع في أسعار السلع والخدمات.
كما يشير الصائغ إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، وتأثر سلاسل التوريد والتوزيع نتيجة الاضطرابات في الممرات البرية والبحرية، أسهم بشكل مباشر في زيادة الأسعار، مؤكداً أن الطاقة تمثل المحرك الأساسي لمعظم الأنشطة الاقتصادية، وبالتالي فإن أي ارتفاع في تكاليفها ينعكس على مختلف القطاعات بشكل متسلسل يشبه «تأثير الدومينو».
ويضيف الخبير الاقتصادي إن محافظة طرطوس، رغم ما تتمتع به من موارد زراعية وبحرية وسياحية، فإن ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، ولا سيما في الزراعة المحمية والصيد والنقل، أدى إلى تحميل المستهلك النهائي أعباءً إضافية، مما عمّق التحديات المعيشية. وفي المقابل، يشير إلى أن القطاع السياحي والاستثمارات في النقل البحري قد يشكلان خلال المرحلة المقبلة عوامل دعم للاقتصاد المحلي، في حال توافرت الظروف الملائمة.

تراجع القدرة الشرائية

كذلك يوضح الدكتور الصائغ أن تراجع القدرة الشرائية يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي عبر ثلاث قنوات رئيسية، هي: انخفاض الطلب الكلي، وتراجع الإنتاج والتوظيف، وتعميق حالة الركود. مشيراً إلى أن تراجع الإنفاق الاستهلاكي يدفع الأسر إلى التركيز على تلبية الاحتياجات الأساسية فقط، ما يؤدي إلى ركود الأسواق وانخفاض المبيعات، الأمر الذي ينعكس لاحقاً على تقليص الإنتاج وخفض فرص العمل، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة.

الأكثر تضرراً

ويؤكد الدكتور الصائغ أن الفئات الأكثر تضرراً من موجة الغلاء هي الطبقة الوسطى والأسر ذات الدخل المحدود والثابت، بما في ذلك العاملون بأجور ورواتب في القطاعين العام والخاص، إضافة إلى المتقاعدين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار دون قدرة حقيقية على التكيف معه.
كما يشير إلى تأثر المزارعين وصغار الصناعيين والحرفيين بصورة كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، مقابل ثبات أسعار البيع أو ارتفاعها بوتيرة أبطأ، ما يؤدي إلى تآكل الأرباح أو تحولها إلى خسائر. ويخلص إلى أن الغلاء يخلق حلقة اقتصادية سلبية تؤثر في المنتج والمستهلك على حد سواء.

الآثار الاجتماعية بعيدة المدى

الدكتور الصائغ يوضح أن آثار التضخم لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاجتماعية والمعيشية للأسر، كون استمرار ارتفاع الأسعار يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر وتراجع مستويات الرفاه الاجتماعي، فضلاً عن زيادة الضغوط النفسية والأسرية وانعكاس ذلك على جودة الحياة بشكل عام.
كما يحذر من أن تراجع القدرة على الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية قد يؤثر سلباً في رأس المال البشري على المدى البعيد، ما ينعكس على مسارات التنمية المستقبلية.
ويضيف إن استمرار الضغوط المعيشية قد يسهم في ارتفاع معدلات البطالة والتهميش، بما قد يؤثر في الاستقرار الاجتماعي ويضعف الثقة بالمؤسسات، ويؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ضمن حلقة متكررة يصعب كسرها من دون تبني حلول شاملة ومستدامة.

Leave a Comment
آخر الأخبار