الحرية – رانيا يوسف علي:
بيتزا مجمدة، حبوب فطور ملونة، مشروبات غازية، ونقانق.. جميع ما سبق ذكره وغيره هي أطعمة مغلفة «فائقة المعالجة، Ultra-processed foods» وهي مكون اساسي من المكونات في مطابخ الملايين، لكن هل هناك من يدرك ماهي المخاطر التي تحملها هكذا أطعمة، أم أن غالبية الأسر باتت تستسهل العمل في المطابخ، هذا الأمر لم يكن بمنأى عن مجهر العلماء الذين بدؤوا يحذرون من علاقتها المرتبطة بأمراض القلب، والسكري، والسمنة، وعدد من الأمراض المزمنة الأخرى، مقدمين أدلة وبراهين على أبحاثهم لتثبت أن ضررها لا يتوقف عند السعرات الحرارية، بل يمتد إلى التغيرات العميقة التي تحدثها داخل الجسم.
ويشير الباحثون إلى أن هذه الأطعمة «فائقة المعالجة»، التي تشمل منتجات مثل البيتزا المجمدة، وحبوب الإفطار السكرية، والمشروبات الغازية، والوجبات الخفيفة المغلفة، والنقانق، والمعجنات الصناعية، أصبحت تشكل نسبة كبيرة من السعرات الحرارية اليومية في العديد من دول العالم، بعدما كانت الأنظمة الغذائية تعتمد بشكل رئيسي على الأطعمة الطازجة والمكونات الطبيعية.
مخاطرها تتجاوز السعرات الحرارية
ولكن الأمر ليس مقتصراً على السعرات الحرارية فحسب، بل يتجاوزه إلى مخاطر تغييرات جوهرية في وظائف الجسم، وذلك وفق ما توصلت إليه دراسات حديثة متعددة، والتي أثبتت وجود علاقة بين الإفراط في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وارتفاع معدلات السمنة، وضغط الدم، واضطرابات الدهون، والالتهابات المزمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وأمراض الكلى المزمنة، وكلها عوامل تزيد احتمال الإصابة بأمراض القلب والشرايين.
كما كشفت أبحاث أخرى أن الإسراف في تناول هذه المنتجات يرتبط بزيادة مخاطر فشل القلب، واضطرابات نظم القلب، والسكتات الدماغية، فضلاً عن ارتفاع الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية.
ويرى خبراء مختصون بالتغذية أن الخطر لا ينحصر في محتوى هذه الأطعمة من دهون أو سكريات أو سعرات، بل يتجاوزه إلى درجة المعالجة الصناعية ذاتها، ما يشير إلى أن بنية الغذاء قد تؤثر في استجابة الجسم بمعزل عن مكوناته الغذائية التقليدية.

ما الذي يميز الأطعمة فائقة المعالجة؟
كما يؤكد الباحثون على أن المعالجة الغذائية ليست مضرّة بحد ذاتها، فالإنسان الذي كان يمارس منذ آلاف السنين عمليات الطهي، والتخمير، والتجفيف، وصناعة الخبز والجبن، لم يصب بهكذا أمراض وإن كانت هناك إصابات فقد كانت قليلة وتقريباً نادرة، ولكن أين يكمن الخطر الحقيقي.. يكمن في أن المعالجة الصناعية المفرطة. هي المسبب الأساسي
فالكثير من هذه المنتجات تُصنع من مكونات معزولة ومكرّرة، كالنشويات والزيوت والبروتينات المستخلصة، إضافة إلى المنكهات والمحليات والمستحلبات والملونات، ثم يُعاد تركيبها لإنتاج أطعمة شديدة الجاذبية وسهلة الاستهلاك.
وتتميز هذه المنتجات بسرعة الهضم، وفقْرِها للألياف والعناصر الغذائية، وغنائها بالسكر والدهون غير الصحية والملح، وارتفاع كثافتها السعرية، كما صُممت لتشجيع الاستهلاك المتكرر وتجاوز إشارات الشبع الطبيعية.
ويعتقد بعض العلماء أن هذه الأطعمة قد تؤثر في سلوك الأكل نفسه، إذ تزيد من سرعة تناوله وتقلل الإحساس بالشبع، فيما تشير فرضيات أخرى إلى دور محتمل للالتهابات المزمنة، واضطرابات ميكروبيوم الأمعاء، واختلال تنظيم مستويات السكر في الدم.
الأطفال في دائرة الخطر
ولم تقتصر التحذيرات على البالغين، إذ باتت المؤشرات تنذر بزيادة ملحوظة في إصابة الأطفال والمراهقين بداء السكري من النوع الثاني والكبد الدهني، وهما مرضان كانا يُعدّان نادرين في هذه المراحل العمرية قبل عقود.
وهنا يحذر الأطباء من أن التعرض المبكر للسمنة ومقاومة الإنسولين واضطرابات الدهون قد يمهّد الطريق لأمراض القلب والشرايين في سن مبكرة، ما يعني أن الضرر لا يتأخر حتى الكهولة، بل يبدأ مع الطفولة نفسها.
سياسات صحية
وفي مواجهة هذه المعطيات، التي قدمناها يطالب خبراء الصحة العامة بوضع سياسات تحد من استهلاك هذه المنتجات، عبر تحسين الملصقات الغذائية، وتقييد الإعلانات الموجّهة للأطفال، وهنا يأتي دور التوعية المدرسية، والأهل من خلال تشجيع ابنائهم على العودة إلى الأكل الطبيعي، فقد بدأت بعض الدول فعلاً بتطبيق ملصقات تحذيرية وفرض ضرائب على بعض الأطعمة، في محاولة لتغيير سلوك المستهلكين وكسر زحف الأمراض المزمنة.
غير أن الباحثين يرون أن الحل الجذري ليس في منع الطعام أو اتباع حميات قاسية، بل في العودة التدريجية إلى أنماط غذائية تعتمد على ما تنتجه الأرض لا ما تصنعه المصانع: خضار، فواكه، بقوليات، مكسرات، أسماك، ووجبات منزلية تقليدية.
ومن هنا نلاحظ أنه مع كل دراسة جديدة، تتأكد الفكرة الأهم: أن ما نأكله لا يؤثر فقط في وزننا أو سكرنا، بل في مستقبل صحتنا كلها، وأن الملصقات الغذائية وحدها لا تكفي لفضح ما تخفيه هذه المنتجات من أضرار بعيدة المدى.