الحضور النفسي للوالدين.. الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأبناء والمجتمع

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:

في زحمة الحياة اليومية وتضارب المسؤوليات بين ضغوط العمل ومتطلبات المنزل، يبرز التساؤل الأكثر إلحاحاً على أذهان الآباء والأمهات: هل تواجدنا الجسدي إلى جانب أطفالنا كافٍ لضمان نموهم النفسي السليم؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحاً في ظل الطوفان الرقمي وانتشار «العزلة الافتراضية» داخل المنازل، والتي باتت التحدي الأكبر الذي يهدد تماسك الأسرة وجودة تفاعل أفرادها.

الحضور النفسي مقابل التواجد الجسدي

في هذا السياق، تؤكد الأخصائية النفسية فاطمة البارودي، في حديثها لصحيفة «الحرية»، أن الوقت النوعي هو الأساس المتين للاستقرار النفسي والعاطفي للأبناء. وتوضح أن «الحضور النفسي» يعني التفاعل العاطفي والذهني الفعلي مع الطفل، عبر الإصغاء الفعّال، والتواصل البصري، والاستجابة الواعية لاحتياجاته، وهو مفهوم يختلف جذرياً عن مجرد «التواجد الجسدي» الخالي من أي تواصل حقيقي، وترى البارودي أن هذا الحضور هو حجر الأساس في بناء شخصية متزنة تعزز أمان الطفل وثقته بنفسه، محذرة من أن غيابه يولد شعوراً بالإهمال ينعكس سلباً على سلوكه وتحصيله الدراسي.

قوة «الوقت النوعي».. دقائق معدودة تصنع الفارق

كما طمأنت الأخصائية الأهالي بأن تحقيق الحضور النفسي لا يتطلب إهدار ساعات طوال، بل يكفي تخصيص (15 إلى 20 دقيقة) يومياً من «الوقت النوعي»، تُراعى فيها عناصر أساسية: كإبعاد المشتتات الرقمية، وإتاحة المجال للطفل للتعبير الحر عن أفكاره، ومشاركته نشاطاً يختاره، واستخدام لغة حوار هادئة بعيداً عن النقد المباشر، هذا الوقت المحدود ظاهرياً يترك بصمة عميقة تراكمياً، ويقوي الروابط العاطفية، وينمي مهارات التفكير وحل المشكلات.

الفخ الرقمي.. عندما تسرق الشاشات دفء العائلة

وعن تأثير الأجهزة الذكية، تشير البارودي إلى ارتباط وثيق بين الإدمان على الشاشات واضطراب التوازن الأسري، خصوصاً في الطفولة المبكرة، محذرة من أن انشغال الوالدين بالهواتف أثناء وجودهم مع أطفالهم يرسخ شعوراً ضمنياً لدى الطفل بأنه «أقل أولوية»، مما يدفعه نحو سلوكيات لفت انتباه سلبية. وتدعم الدراسات الحديثة هذا الطرح، مؤكدة أن الأطفال المنشغلين بالشاشات يتمتعون بصحة نفسية أضعف مقارنة بأقرانهم ممن يمارسون أنشطة بدنية أو فنية تنمي تفاؤلهم وقدرتهم على التحكم بالعواطف.

توصيات عملية لنفوس أكثر استقراراً

ختاماً، تقدم الأخصائية النفسية حزمة من التوصيات العملية والواقعية للأسر، منها تخصيص وقت نوعي يومي خالٍ من المشتت الرقمي، وإشراك الطفل في وضع قوانين منزلية لتعزيز شعوره بالمسؤولية، كذلك وضع حدود واضحة ومدروسة لاستخدام الأجهزة الذكية، وتحفيز الأطفال على ممارسة الأنشطة البدنية والفنية والذهنية، بالإضافة لتشجيع الطفل على البوح بمشاعره ومعالجة مخاوفه مبكراً.
وتختتم البارودي بالتأكيد على أن تطبيق هذه الخطوات لا يحتاج إلى ثروات مادية، بل يتطلب وعياً وإرادة وتغييراً بسيطاً في السلوكيات اليومية، لتظل العلاقات الإنسانية العميقة هي الملاذ الآمن والركيزة الأساسية لمجتمع متماسك.

Leave a Comment
آخر الأخبار