الحرية– سامي عيسى:
أزمات كثيرة وصراعات اقتصادية شهدتها سوريا خلال المراحل السابقة كان لها أثر وبشكل كبير على قوة الاقتصاد الوطني وفرضت تحديات كبيرة، أثرت على الإنتاجية الوطنية الزراعي منها والصناعي، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم، وتدهور العملة الوطنية، بالإضافة إلى تراجع مستويات المعيشة .
بدورنا نحاول قدر المستطاع تسليط الضوء على هذا الواقع من خلال وجهات نظر مختلفة مواطنين وتجار وصناعيين وخبراء للوقوف على حيثيات تداعيات الصراعات المختلفة وخاصة الاقتصادي منها.
حديث الأرقام
لكن قبل الدخول في ذلك لابد من عرض بعض الأرقام التي تؤكد الخسائر التي تكبدها الاقتصاد السوري خلال السنوات الأخيرة بسبب هذه النزاعات بالاعتماد على تقديرات البنك الدولي، نذكر على سبيل المثال خسائر قطاع النفط بأكثر من 60 مليار دولار بسبب تدمير الحقول النفطية الرئيسية، وأكثر من 40 مليار دولار من نصيب البنية الصناعية، لاسيما الأسمنت والأدوية والمواد الغذائية وغيرها.
وهذا الواقع ينطبق على القطاع الزراعي والذي تضرر بشكل كبير، خاصة مع انخفاض إنتاجية القمح حيث تشير التقديرات أن قيمة الاضرار تجاوزت سقف 20 مليار دولار، دون تجاهل أثر العقوبات الاقتصادية والخسائر الناجمة عن حظر تصدير منتجات القطاع والعزل المالي والتي تجاوزت سقف 20 مليار دولار، والخسائر الأكبر التي أصابت قطاع البنى التحتية والتي تجاوزت سقف 200 مليار دولار، وخسائر اقتصادية أخرى بسبب العقوبات الاقتصادية تجاوزت سقف مئة مليار دولار.
انهيار فعاليات تجارية بشرائح مختلفة
«الحرية» حاولت معرفة أراء شرائح معينة من المجتمع لاسيما ما يتعلق بشرائح الوساطة التجارية إذ قال المواطن طارق العمر تاجر نصف جملة: نحن نواجه مشكلة حقيقية في تأمين المواد التي يحتاجها السوق، ليس بسبب العقوبات فحسب، بل هناك تأثير أكبر يتعلق بالنزاعات السابقة، منها الداخلي والخارجي التي جعلت من الصعب الوصول إلى العديد من السلع الأساسية، والأمور تزداد تعقيداً مع كل يوم يمر، غالباً ما نضطر إلى رفع الأسعار لتغطية تكاليف الشحن والمواد الخام، ما يجعل الناس غير قادرين على الشراء، وبالتالي فإن رأي المواطن العمر يمثل غالبية الشريحة المذكورة.
وهذا الواقع ينسحب على شرائح أخرى كخريجي الجامعات والمعاهد الذي وقعوا ضحية العقوبات والأزمات لفقدان فرص العمل وغيرها، حيث أكدت المواطنة لما محمد خريجة جامعية على صعوبة الواقع، مشيرة إلى أنها تبحث عن وظيفة منذ سنوات، لكن فرص العمل قليلة جداً بسبب الوضع الاقتصادي الراهن، وكثير من الشباب في مثل حالتي حسب قولها حيث يتجهون إلى السفر أو الهجرة بحثاً عن حياة أفضل.
تعددت الأسباب والخسائر واحدة
والحال ذاته ينطبق على الفعاليات التجارية والصناعية التي تأثرت الى حدود بعيدة، حيث أكد الصناعي محمد صباغ أن البيئة الاقتصادية الحالية لا تساعد التجار والصناعيين السوريين على استعادة النشاط التجاري بشكل كامل، ويرى «صباغ» أن تراجع القدرة الشرائية للسكان، وارتفاع أسعار المواد الأولية، وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء يشكلون تحديات يومية، بالإضافة إلى ذلك، هناك صعوبة كبيرة في الوصول إلى الأسواق الخارجية، بسبب القيود المفروضة على المعاملات المالية والتجارية وغيرها من المشكلات التي مازالت تشكل عوائق كبيرة أمام الصناعيين وتجار، موضحاً أنه مهما تعددت الأسباب لكن النتيجة الأخطر هي الخسارة التي تصيب الجميع في مقدمة ذلك الاقتصاد الوطني .
وللخروج من هذا الواقع يتفق التاجر فيصل المنان، مع الصناعي «الصباغ» على عدة قضايا رئيسية واجبة التنفيذ تتعلق بتنفيذ سياسات إصلاح اقتصادي تشمل إصلاح النظام المصرفي، والقطاع الزراعي والصناعي، وتسهيل إجراءات التجارة الخارجية، والعمل على ضرورة إيجاد بيئة استثمارية جذابة للاستثمارات المحلية والدولية، فضلاً عن العمل على إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها سنوات الحرب السابقة.
ضعف السياسات الغير مستدامة
وبالتالي هذا الرأي لم يخرج كثيراً عن الآراء السابقة، ويتفق إلى حد كبير مع رأي أهل الخبرة الاقتصادية، لكن التوصيف الدقيق يأتي من خبراء الاقتصاد، وهنا قدم الخبير الاقتصادي ايهاب اسمندر توصيفاً دقيقاً للواقع وضح فيه عمق الأزمة وتأثيرات الصراعات الداخلية والخارجية على الاقتصاد السوري، مؤكداً أن التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري ليست فقط نتيجة الحرب التي شهدتها البلاد، بل بسبب السياسات الاقتصادية غير المستدامة إضافة إلى حصيلة تراكمات من السياسات الاقتصادية الفاشلة، والتدخلات الخارجية، وكذلك الحروب الاقتصادية التي شنت ضد سوريا، الأمر الذي أفقد الاقتصاد السوري جزءاً كبيراً من قدراته الإنتاجية ..
خسائر بمليارات الدولارات
وهنا يمكن الدخول في بعض تفاصيل الخسارات -في رأي اسمندر- والتي تبدأ بخسارة الإنتاج الصناعي والزراعي، للكثير من المنشآت الصناعية والزراعية تم تدميرها بسبب الحرب، ما أدى إلى انخفاض كبير في الإنتاج المحلي، فسوريا كانت تمتلك قاعدة صناعية قوية، خاصة في مجال الأدوية والصناعات الغذائية والنسيجية، لكن اليوم، هناك خسارة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات نتيجة توقف هذه الصناعات، وفي قطاع الزراعة، الذي كان يعد من أهم القطاعات الاقتصادية، فقدت البلاد مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية نتيجة للحرب والنزوح الداخلي، ما أثر على إنتاج القمح، القطن، والفواكه والخضروات.
فقدان مصادر تمويل الخزينة
وفي نفس السياق يرى الخبير د. عمار يوسف أن انخفاض الإيرادات من قطاع النفط، والذي كان يشكل أحد المصادر الرئيسية للإيرادات في سوريا قبل اندلاع الحرب أثر على القدرة في تأمين العوائد المالية اللازمة، وهذه الخسارة في قطاع النفط أدت إلى تقليص كبير في الميزانية العامة للدولة، عجز مالي متزايد.
والنقطة الأهم تدمير البنية التحتية حيث يرى يوسف إن سوريا كانت تمتلك بنية تحتية متطورة إلى حد كبير قبل اندلاع الحرب لكن مع مرور الوقت، تم تدمير العديد من المنشآت الأساسية هذا التدمير أدى إلى تعطيل النشاط الاقتصادي في العديد من المناطق..
وبالتالي هذا الأمر أثر بصورة مباشرة على واقع الاستثمارات المحلية والخارجية، والذي رأى فيها الخبيران اسمندر ويوسف أن فقدان الثقة بالاقتصاد السوري أهم العقبات الأمر الذي أدى إلى ابتعاد الكثير من المستثمرين الأجانب عن السوق السورية..
واتفق الخبيران أن الانتقال إلى الحالة الأفضل لاستقرار الاقتصاد السوري ينبغي معالجة كل ما ذكر ووضع سياسات تنموية واضحة وشفافة تكفل الانتقال السريع نحو التنمية المستدامة في كافة القطاعات.