الحرية – منال الشرع:
البطالة مرض اجتماعي خطير دخل الجسد السوري وشكل أزمة هيكلية وهو إذن غير مبرر لممارسات غير اجتماعية وغير أخلاقية.
وعليه، يقول الخبير الاقتصادي فاخر قربي إن سنوات الحرب الطويلة فاقمت من حدة الأزمة، حيث وصلت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية وغير مسبوقة، اذ إن الأرقام تشير إلى أن المعدلات تتجاوز 75% بين فئة الشباب، وهو ما تزامن مع انخفاض في قيمة الليرة وضعف القدرة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي أدى بدوره إلى اتساع رقعة الفقر لتشمل ما يقدر بنحو 90% من السكان.
ويرى قربي في حديثه لـ”الحرية” أن الآثار لم تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتشمل جوانب اجتماعية خطيرة مثل العزوف عن الإنتاج، وتصاعد موجات الهجرة، وارتفاع معدلات الجريمة، ما وضع الأمن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مهب رياح الواقع المرير.
كما يشير القربي إلى أن الاقتصاد السوري يعاني نتيجة الحرب الطويلة من تراجع حاد في الإنتاج والنمو، وانهيار الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من ثلث ما كان عليه قبل الحرب ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تدمير البنية التحتية على يد النظام البائد، وانعدام الخدمات الأساسية، والارتفاع الجنوني في أسعار محروقات الطاقة.
ويضيف قربي أن انهيار القدرة الشرائية والارتفاع اللحظي للأسعار دفعا الغالبية العظمى من السكان إلى ما دون خط الفقر، وانتشر ما يعرف بـ “الفقر المدقع كما نوه قربي إلى تفشي ظاهرة “البطالة المقنعة”، خاصة في القطاع العام الذي لجأ إلى توظيف عمالة لا حاجة فعلية لها، ما زاد من الأعباء المالية على الخزينة العامة للدولة.
ويحذر قربي من أن هذه الدوامة الاقتصادية أفرزت أخطاراً اجتماعية ونفسية تهدد أمن المجتمع واستقراره، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
١- ارتفاع معدلات الجريمة: نتيجة انعدام الدخل، انتشرت جرائم السرقة والجرائم المجتمعية الأخرى بشكل ملحوظ.
٢- الهجرة واستنزاف العقول: تزايدت رغبة الشباب في الهجرة بحثاً عن فرص عمل، ما أدى إلى استنزاف الكفاءات وهجرة الأدمغة، وفقدان العنصر البشري الذي يُعد الرافعة الأساسية لإعادة بناء الوطن.
٣- تفكك أسري واضطرابات: أدت زيادة نسب الفقر، الذي وصل في بعض التقديرات إلى 66% كفقر مدقع، إلى رفع احتمالية حدوث تفكك أسري واضطرابات اجتماعية واسعة.
ويرى قربي أن الفئات الأكثر تضرراً في خضم هذا الواقع المؤلم هم الشباب والخريجون الجدد، فبطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عاماً تعتبر الأعلى، ما يقتل طموحهم ويُهدر مهاراتهم التي اكتسبوها، ويتركهم أمام مستقبل غامض.
وأضاف قربي: إذا تأملنا قليلاً الأسباب الرئيسية لارتفاع ظاهرة البطالة في المجتمع، نجد تدمير البنية التحتية نتيجة الحرب الدائرة لسنوات طويلة، والركود الاقتصادي الطويل الذي فُرض على الشعب السوري لسنوات، وعدم التناسب بين التعليم واحتياجات السوق، والنزوح الداخلي.
وبحسب قربي فإن البطالة في سوريا أدت إلى تحويل البلاد إلى بيئة منفرة للكفاءات، مع اعتماد ثلاثة من كل أربعة أشخاص على المساعدات الداخلية والخارجية، وهذا يجعل الاقتصاد السوري يحتاج إلى سنوات طويلة من النمو القوي للتعافي من هذه التركة الثقيلة، حيث إن الإصلاح الاقتصادي المطلوب يجب أن يتحرر من المعيقات السياسية والبيروقراطية التي أصبحت مكبلة لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن يعيد رسم الأولويات بتحقيق تنمية شاملة متوازنة وعادلة، ومكافحة البطالة تتطلب إصلاحاً للأجور وتحسيناً لشروط العمل من أجل تحسين إنتاجية العمل، كما تتطلب ضماناً اجتماعياً وصحياً شاملاً وتعويضاً للبطالة كمسؤولية اجتماعية ووطنية على الجميع المساهمة بها، وليس على العاطلين عن العمل تحمل منفردين نتائج فشل السياسة الاقتصادية.
ونحن أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية تتطلب بذل المزيد من الجهود الاستثنائية لمكافحة البطالة عبر تقديم قروض شخصية لخلق فرص عمل تغطي المزيد من الأسر، وذلك لتحويل الفرد من منفعل لفاعل، ومن مستهلك لمنتج.
وأيضاً، ربط سوق العمل بالاختصاصات الجامعية ورفد سوق العمل بالكفاءات الوطنية وتطوير القوانين الاستثمارية والتشريعات الإدارية لفسح المجال لخلق مشاريع استثمارية منتجة تستقطب الكثير من الأيدي العاملة الخبيرة، وتخفيف حدة استيراد البضائع من الخارج نتيجة لانعكاسه على واقع عمل المصانع وتوقفها عن العمل في بعض الأحيان، ما يسهم في رفع معدلات البطالة.