الحرية – دينا عبد:
يحلم الآباء والأمهات بتخصص رفيع المستوى لأبنائهم، بغض النظر عن مدى قدرتهم على النجاح فيه، وفي مقابل ذلك يرغب الابن في تحقيق أحلامه وفق ما يناسب ميولاته وقدراته. وهنا يبدأ الخلاف بين الطرفين، حيث يرى الوالدان أنهما أكثر خبرة وقدرة على تحديد مستقبل أبنائهما، في حين يعتبر الأبناء أنهم الأقدر والأحق باختيار مستقبلهم. فمسألة اختيار التخصص الجامعي تعد من المراحل الحاسمة التي تتداخل فيها رغبات الطلاب مع توجهات الأسر واعتبارات المستقبل، ما يجعل الحوار المتوازن والتفاهم بين الطرفين عنصراً أساسياً في هذه المرحلة.
تجربة واقعية
تروي «بانا» تجربتها لصحيفة «الحرية» قائلة: «حصلت على علامات جيدة تؤهلني لدراسة الهندسة بمختلف تخصصاتها، لكنها لم تكن كافية لدخولي كلية الطب أو الصيدلة». وأضافت: «أهلي رفضوا فكرة دراستي للهندسة، باعتبار أن هذا التخصص غير مناسب للفتيات من وجهة نظرهم، رغم وجود العديد من الشابات اللواتي درسن هذه المجالات». وأشارت إلى أنها لم تتمكن من إقناعهم، ففرضوا عليها دراسة كلية التربية تخصص رياض الأطفال، لافتةً إلى أنها شعرت بانزعاج كبير، لكنها لم تجد حلاً آخر، ونوهت بأنها بقيت متأثرة بذلك طوال الفصل الدراسي الأول من دراستها الجامعية، وكانت تزداد حسرتها كلما تواصلت مع صديقاتها اللواتي التحقن بتخصص الهندسة، قبل أن تبدأ لاحقاً بالتأقلم مع واقعها الجديد.
أسباب عديدة
وفي الإطار ذاته، يؤكد ولي أمر أحد الطلاب أن تدخل بعض الأهالي في اختيار التخصص الجامعي لأبنائهم يعود إلى عدة أسباب، من بينها رغبتهم في ضمان مستقبل أفضل لهم، أو تأثرهم بتجاربهم الشخصية، أو اعتقادهم أن بعض التخصصات تمنح مكانة اجتماعية أكبر من غيرها، مضيفاً أن بعض الأسر تنظر إلى هذا القرار باعتباره امتداداً لطموحاتها هي لا لطموحات الأبناء، ما يخلق أحياناً حالة من التوتر بين رغبة الطالب وتوقعات العائلة.
أهمية عدم التدخل في اختيار تخصص الأبناء
خبير التنمية البشرية وائل الحسن يشرح لصحيفة «الحرية» أن اختيار التخصص الجامعي هو واحدة من أولى القرارات المصيرية في حياة الشاب، وهي خطوة تشكل هويته المهنية وشعوره بذاته على المدى الطويل. لذلك، فإن تدخل الأهل في هذا القرار – حتى لو كان بدافع الحب والخوف – قد يخلق آثاراً عميقة على نفسية الأبناء ومستقبلهم.
القرار للأبناء
ورداً على سؤال لماذا يجب أن يترك القرار للأبناء؟ أوضح الحسن أن الاهتمام الحقيقي يولد من الداخل، فالطالب الذي يدرس ما يحب يكون أكثر قدرة على الإبداع، وأكثر تحملاً للضغوط، وأسرع في التطور المهني. وبالتالي يكون الالتزام الذاتي أقوى من الالتزام المفروض، فعندما يختار الابن تخصصه بنفسه، فهو يتحمل مسؤولية قراره، ويصبح أكثر جدية في الدراسة والعمل. لذلك ينبغي على الأهل تجنب الإحباط والتمرد، وذلك لأن فرض تخصص معين قد يؤدي إلى نفور، أو دراسة بلا شغف، أو حتى ترك الجامعة لاحقاً. لذلك يجب السماح للأبناء باتخاذ قرارهم، فهذا يعزز ثقتهم بأنفسهم وينمي مهارات اتخاذ القرار، فالاستقلالية جزء من النضج.
المجموع الدراسي وتحديد المصير
المجموع يلعب دوراً في فتح أو إغلاق بعض الأبواب بحسب الحسن، لكنه ليس معياراً للرغبة أو القدرة المستقبلية، فكثير من التخصصات الحديثة لا تعتمد على مجموع مرتفع، بل على مهارات وشغف وتعلم مستمر. وهنا يأتي دور الأهل في توجيه الأبناء نحو الخيارات المتاحة التي تتوافق مع رغباتهم، ومساعدتهم على رؤية المسارات البديلة التي قد تكون أكثر ملاءمة لهم، كذلك دعمهم في فهم أن النجاح لا يرتبط بتخصص واحد، بل بطريقة التفكير والعمل.
نصائح للأهل دون فرض
كما قدم الحسن نصائح للأهل دون فرض:
– الاستماع: فهم رغبة الابن قبل تقديم أي رأي، وطرح الأسئلة لا الفرضيات: ما الذي يجذبك لهذا التخصص؟ ما مستقبل هذا المجال؟
– عرض الخبرة دون إملاء: مشاركة التجارب المهنية بشكل حيادي، دون تحويلها إلى أوامر.
– فتح باب الحوار المستمر: القرار لا يُتخذ في جلسة واحدة، بل عبر نقاشات هادئة ومتكررة.
– احترام الاختيار النهائي حتى لو كان مختلفاً عن توقعات الأهل.
– تقبل الاختصاص الجديد لأنه خطوة أساسية لنجاح الأبناء، فبعد اتخاذ القرار يحتاج الأبناء إلى دعم نفسي ومعنوي، وتقبل الأهل للتخصص الجديد يمنحهم شعوراً بالأمان والثقة ودافعاً للاستمرار والتفوق وعلاقة صحية مع الأسرة مبنية على الاحترام المتبادل.
وختم الحسن حديثه بالتأكيد على أن التخصص الجامعي ليس مجرد شهادة، بل هو بداية رحلة حياة، والمسؤولية التنموية للأهل هي تمكين الأبناء من اختيار طريقهم لا رسم الطريق لهم. النصيحة مطلوبة، والخبرة مهمة، لكن القرار يجب أن يكون ملكاً للابن، ليعيش مستقبله بشغف لا بواجب مفروض.