التشخيص المبكر يفتح آفاقاً لعلاجات أكثر دقة.. د. الزعبي: باركنسون أكثر من مجرد رعشة.. والتشخيص المبكر مفتاح العلاج

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – رانيا يوسف علي:

لا يقتصر مرض الشلل الرعاش «باركنسون» على الرعشة، بل هو مرض عصبي تنكسي متعدد الأوجه، تتداخل في نشأته عوامل وراثية وبيئية، وقد تبدأ بعض أعراضه غير الحركية بالظهور قبل سنوات من العلامات الحركية المعروفة، ما يجعل التشخيص المبكر تحدياً حقيقياً للأطباء.
وفي حديث خاص لـ«الحرية» حول طبيعة المرض وأعراضه وأحدث الخيارات العلاجية، أوضح الدكتور محمد الزعبي، المتخصص في طب الأعصاب وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب والأكاديمية الأوروبية لطب الأعصاب، أن داء باركنسون ينتج بصورة رئيسية عن تنكس الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين في الدماغ، ما يؤدي إلى ظهور أعراض حركية وأخرى غير حركية تؤثر في حياة المريض وجودتها. ويحدث المرض غالباً بعد سن الستين، لكنه قد يصيب الشباب أيضاً فيما يُعرف بـ«باركنسون المبكر».

الأسباب.. عوامل متشابكة

أوضح الدكتور الزعبي أن أسباب باركنسون متعددة ومتشابكة، فقد تكون هناك عوامل وراثية، أو رضية نتيجة تعرض الرأس لصدمات، أو فيروسية، وقد تجتمع هذه العوامل معاً مشيراً إلى ان التسمم بالمعادن قد يلعب دوراً مهماً، لا سيما الألمنيوم، لدى العاملين في مصانع المعادن، وكذلك لدى الفلاحين الذين يستخدمون المبيدات الحشرية بشكل واسع دون وسائل حماية.
وكشف الدكتور الزعبي عن علاقة مثيرة للاهتمام بين اضطرابات الجهاز الهضمي ومرض باركنسون، حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن الاعتماد المفرط على الأغذية الغنية بالكربوهيدرات يؤثر في البكتيريا النافعة «الفلورا» في الأمعاء، ما يؤدي إلى تراكم بكتيريا معينة في جدار الأمعاء، تنتقل بعدها إلى الجهاز العصبي المركزي عبر العصب المبهم، فتسبب اضطراباً في الحركة.

الأعراض الحركية.. ثلاثي باركنسون الشهير

يحدد الدكتور محمد الزعبي الأعراض الحركية الرئيسية للمرض بثلاث علامات جوهرية، أولها بطء الحركة الذي يجعله يتحرك وكأنه يسير مثل «الروبوت»، وتصبح حركاته اليومية البسيطة بطيئة وصعبة، ولا تقتصر على المشي بل تمتد لتشمل دقة المهام اليدوية.
أما العلامة الثانية فهي الرجفان أثناء الراحة، الذي يظهر بشكل واضح عندما يكون المريض مسترخياً أو جالساً، كأن يضع يده على فخذه أو السرير فيبدأ بالاهتزاز، لكن هذا الرجفان يخف بمجرد أن يتحرك المريض بإرادته.
أما العلامة الثالثة فهي التيبّس العضلي الذي يجعل جسم المريض متصلباً، فينحني إلى الأمام وتصبح يداه ورجلاه جامدتين، لدرجة أنه لا يستطيع النهوض من السرير دون مساعدة، كما يشير الدكتور الزعبي إلى وضعية الجسم المميزة لدى المرضى، حيث يميلون إلى الأمام أثناء المشي وتكون أيديهم وكأنهم يعدون النقود في حركة لا إرادية تعكس الصلابة التي تتحكم بعضلاتهم.

أعراض غير حركية قد تسبق التشخيص

لا تقتصر أعراض باركنسون على الجانب الحركي، بل قد تظهر علامات تحذيرية غير حركية قبل سنوات من الأعراض الحركية الكلاسيكية، كما يؤكد الدكتور محمد الزعبي، وهو ما يجعلها إنذاراً مبكراً يستحق الانتباه.
من أبرز هذه العلامات فقدان حاسة الشم، الذي قد يسبق تشخيص المرض بما يتراوح بين خمس وعشر سنوات، والإمساك المزمن واضطرابات الجهاز الهضمي التي غالباً ما تكون مؤشراً مبكراً على خلل في الجهاز العصبي، كذلك قد يعاني بعض المرضى من اضطرابات النوم، وخاصة سلوك نوم حركة العين السريعة، إلى جانب الاكتئاب والقلق اللذين قد يظهران قبل الأعراض الحركية.
ويشير الدكتور الزعبي إلى أن بعض المرضى قد تظهر عليهم علامات أخرى مثل ما يُعرف بـ«الماسك فيس»، حيث تصبح ملامح الوجه جامدة وكأن المريض يرتدي قناعاً، بالإضافة إلى فرط التعرق واضطرابات الغدد العرقية، فضلاً عن الآلام العضلية والمفصلية التي تنتج عن التيبّس المستمر في العضلات.
هذه الأعراض غير الحركية، رغم تنوعها، تشكل جزءاً أساسياً من صورة المرض وتؤثر بشكل كبير على جودة حياة المريض، ما يستدعي الانتباه إليها وعدم حصر المرض في أعراضه الحركية فقط.

العلاج الدوائي.. الليفودوبا هو الأساس

وأوضح الدكتور أن الليفودوبا (Levodopa) لا يزال العلاج الأكثر فاعلية في تخفيف الأعراض الحركية خلال مختلف مراحل المرض، أكد الدكتور الزعبي أن «الليفودوبا» مع «الكاربيدوبا» لا يزال العلاج الأكثر فاعلية في تخفيف الأعراض الحركية، ويجب أن يُعطى للمريض باكراً والاستمرار عليه، حتى لو كان التحسن جزئياً. لكنه شدد على ضرورة تناوله على معدة فارغة، وتجنب تناوله مع البروتين، لأن ذلك يقلل من امتصاصه ويُضعف تأثيره، فيما يمكن أيضاً استخدام ناهضات الدوبامين أو مثبطات MAO-B في بعض الحالات، مضيفاً أنه عند ظهور تقلبات حركية أو فترات تراجع تأثير الدواء، المعروفة بفترات «OFF»، يمكن إضافة علاجات مساندة أو اللجوء إلى خيارات علاجية مستمرة، مثل ضخ الأدوية تحت الجلد.

كما حذر الدكتور الزعبي من خطأ شائع، وهو إعطاء المريض فيتامين B6 مع الليفودوبا، لأن هذا الفيتامين يثبط مفعول الدواء ويُبطل تأثيره، موضحاً أنه في حال عدم تحمل المريض للدواء على معدة فارغة، ينصح بتناول نصف تفاحة خضراء ثم تناول الدواء، والانتظار ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل تناول الطعام.

خيارات علاجية أخرى

ويوضح الدكتور الزعبي عن تعدد الخيارات العلاجية وذلك بحسب حالة المريض ومرحلة المرض، فإلى جانب الليفودوبا، تُستخدم ناهضات الدوبامين التي تدعم تأثير الدواء الأساسي وتعزز مفعوله، كما يمكن اللجوء إلى مضادات الكولين لتخفيف الرجفان، لكنها لا تُناسب كبار السن بسبب آثارها الجانبية على العين والبروستات.
وعندما تصبح الأعراض شديدة أو مقاومة للأدوية، يقول الدكتور الزعبي، يلجأ الأطباء إلى خيارات جراحية متقدمة، أبرزها التحفيز العميق للدماغ (DBS)، حيث تُزرع أقطاب كهربائية دقيقة في مناطق محددة من الدماغ وتُوصّل بجهاز يشبه منظم ضربات القلب، لتصدر نبضات تنظم النشاط الدماغي وتخفف الرجفان والتصلب وبطء الحركة، وتكون فعالة جداً في الحالات المتقدمة.
ويشير الدكتور الزعبي ان هناك أيضاً الجراحة بالتجسيم العصبي (Stereotaxy)، وهي تدخل دقيق يُجرى والمريض يكون صاحياً، حيث يُدخل مسبار رفيع إلى الدماغ وتحت توجيه الرنين المغناطيسي، يتم تخثر المنطقة المسؤولة عن الرجفان، مما يخفف الأعراض بشكل كبير، خاصة لدى المرضى غير المستجيبين للعلاج الدوائي.

إدارة الألم والعلاج الطبيعي

كما أكد الدكتور الزعبي أن الألم العضلي والمفصلي هو نتيجة حتمية لتيبّس العضلات، ويتطلب علاجاً طبيعياً وتمارين رياضية منتظمة، إلى جانب السيطرة الجيدة على الضغط والسكري إن وجدا، فهما يزيدان من تعقيد الحالة.

مستقبل العلاج.. نحو طب شخصي

وختم الدكتور الزعبي حديثه بالقول أن علاج باركنسون يتجه نحو التشخيص المبكر والعلاج الشخصي، من خلال اختبارات حيوية للكشف عن المرض قبل ظهور الأعراض، وتطوير علاجات جينية موجهة للمرضى وفق طفراتهم الجينية، ما يفتح آفاقاً جديدة لتحسين جودة حياة المرضى والحفاظ على استقلاليتهم لأطول فترة ممكنة.

Leave a Comment
آخر الأخبار