بشارة.. التشكيل كمساحة تتقاطع فيها الذاكرة والحلم والعزلة

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – علي الراعي:

في المشهد التشكيلي السوري، ثمة من يعمل دون ضوضاء، ولا يبدو أنه يحب الجلبة، هو فقط يقدم نتاجه الإبداعي، ويترك للآخرين أن يقولوا كلمتهم – إن أحبوا – فيما هو ينشغل بتكوين عمل فني يتوسم منه الجمال والفكرة العالية، وأن يشغل حيزاً لائقاً به على جدار ما، ويحجز لصاحبه مكاناً مع سدنة صانعي الجمال السوري.

امرأة أمام اللوحة وداخلها

ومن شواغل اللوحة عند الفنانة التشكيلية نهى بشارة، كانت موضوعة المرأة – الموضوع الأثير لآلاف الفنانين – غير أن المرأة في لوحاتها لا تبدو موضوعاً بصرياً وحسب، بل تتحول إلى مساحة تتقاطع فيها الذاكرة والحلم والعزلة والرغبة في الانعتاق.

وفي قراءة بعض لوحاتها، تكشف على اختلاف مشاهدها عن عالم تشكيلي شديد الحساسية للضوء والظل، وللخط بوصفه أثراً نفسياً، وللكتلة بوصفها حاملة للانفعال، إنها أعمال تقدم المرأة في حالات وجودية متباينة: نائمة، شاردة، حالمة، أو محاصرة وسط جماعة من الوجوه. ومن خلال هذه الحالات، تبدو بشارة وكأنها تنقل السؤال من «كيف تبدو المرأة؟» إلى «ماذا يحدث داخلها؟».

اللون كبنية شعورية

يأتي اللون في هذه اللوحات ليشكل هو الآخر البنية الشعورية للوحة. ففي إحدى اللوحات تجلس امرأتان في مواجهة فضاء يتكون من قضبان أو شرائح عمودية مضيئة، يتجاور الأخضر والأزرق والبنفسجي مع درجات البني والذهبي والرمادي. هنا يأتي الضوء كعنصر درامي، فخلف الشخصيتين يسطع عالم عمودي، بينما تغرق الأجساد جزئياً في مناطق من العتمة. هذه المفارقة بين الضوء والظل تمنح المشهد توتراً داخلياً: ثمة عالم مضاء في الخارج، لكن الشخصيات تبدو في حالة انسحاب وتأمل.

وتتكرر هذه الثنائية في لوحة تالية بصورة أكثر حدة، امرأة تقف أو تجلس قرب نافذة، فيما ينقسم وجهها بين الضوء والظلمة. النصف المضيء يكشف ملامح الوجه، بينما يبتلع الظلام النصف الآخر، هنا لا يعود الضوء كاشفاً للحقيقة كاملة، بل يصبح كاشفاً لنصفها فقط. وكأن الشخصية نفسها معلقة بين حضور وغياب، بين ما يمكن قوله وما يظل مكتوماً أما الأزرق والرمادي في الملابس والخلفية فيضيفان برودة شعورية، تقابلها مساحات دافئة من الأصفر والبني على الوجه والعنق إنه صراع لوني يوازي صراعاً نفسياً.

في لوحة أخرى يتغير المناخ جذرياً، السماء المفتوحة، والألوان الوردية والزرقاء والذهبية، والمرأة التي تقف على مرتفع، كلها تمنح العمل إحساساً بالحركة والانطلاق هنا تتراجع العتمة لصالح فضاء واسع، وتتقدم الألوان الدافئة لتمنح الجسد طاقة شبه موسيقية الثوب المنساب، والشعر المتطاير، والخيط أو السلك الممتد حول الجسد، كلها عناصر تجعل المرأة تبدو وكأنها على عتبة تحول إنها ليست واقفة فقط، إنها في حالة عبور، حتى الخيط الذي يلتف حول الشخصية يمكن قراءته بوصفه قيداً، لكنه في الوقت نفسه يشارك في بناء الحركة والإيقاع.

الخط كلغة ثالثة

وفي لوحة رابعة، ثمة امرأة تقف في مساحة ضيقة مضاءة، بينما تحيط بها من الجانبين كتلة كثيفة من الوجوه والأجساد هنا تصبح الكتلة أحد أهم عناصر التعبير الجسد المركزي ليس منفصلاً تماماً عن الخلفية، لكنه يظل أكثر وضوحاً بسبب الضوء الذي يحتضنه إذ تتكاثر حوله الوجوه، بعضها واضح وبعضها لا يكاد يتجاوز الإيحاء وكأن الشخصية محاصرة بأصوات الآخرين وذكرياتهم ونظراتهم كما أن الفضاء في هذه اللوحة ليس مكاناً محايداً، بل ضغط نفسي يتجسد تشكيلياً.

وإذا كان اللون هو اللغة الشعورية الأساسية، فإن الخط لدى نهى بشارة يبدو لغةً ثانية لا تقل أهمية فالخط في أعمالها لا يظهر دائماً كحدود واضحة تفصل الأشياء بعضها عن بعض، وكثيراً ما يكون خطاً مكسوراً، متردداً، أو ذائباً في ضربات اللون وهذه الخاصية تمنح الأشكال شيئاً من الهشاشة، لاسيما في الوجوه خصوصاً، تعتمد الفنانة فيها على إشارات قليلة تكفي لتوليد التعبير: انحناءة الجفن، خط الأنف، امتداد الفم، أو انكسار الرقبة وهذا يفسر حضور الخط الداخلي أكثر من الخط الخارجي فالشخصية لا تُرسم من حدودها فقط، وإنما من خلال التجاعيد والظلال والضربات اللونية التي تمر داخل الجسد والوجه وكأن الفنانة لا تريد أن تقول إن الإنسان «شكل»، بل إن الشكل نتيجة لتراكمات داخلية لذلك تبدو الوجوه أحياناً شبيهة بخرائط صغيرة للقلق والذاكرة.

عن تكاوين اللوحة

ومن الناحية التكوينية، تقوم اللوحات على مفارقة بين الكتلة والفراغ ففي العمل الأول، تحتل الشخصيتان الجزء السفلي والأمامي من التكوين، بينما تهيمن العناصر العمودية في الخلفية هذا التنظيم يمنح اللوحة إيقاعاً متكرراً، يشبه إيقاع القضبان أو النوافذ أو جذوع الأشجار وفي العمل الثاني، تعمل النافذة كإطار داخل الإطار، فهي تقسم المساحة إلى مربعات، لكنها لا تمنح الشخصية شعوراً بالاتساع، بل على العكس تزيد الإحساس بالحصار.

العمل الثالث، فثمة خط مائل يصنعه الجسد، وحركة دائرية أو لولبية يصنعها الشعر والخيط، وامتداد أفقي للأفق والماء بذلك يتحول التكوين إلى حركة مستمرة والجسد نفسه يصبح خطاً صاعداً، في مقابل ثقل الأرض والجبال في الأسفل ولعل هذه أكثر اللوحات الأربع وضوحاً في التعبير عن فكرة الانعتاق في المقابل، تعيد اللوحة الرابعة بناء العلاقة بين الكتلة والفراغ بطريقة مغايرة فالفراغ المضيء الذي يحتضن الشخصية المركزية يبدو ضيقاً ومحاصراً بكتل بشرية داكنة الفراغ هنا ليس غياباً، بل حضور كثيف للضغط ومن خلال هذا التكوين يمكن قراءة العمل بوصفه تأملاً في الفرد والجماعة: الإنسان قد يكون وسط الآخرين، لكنه مع ذلك يعيش وحدته الخاصة.

الجزء كنموذج

في لوحات الفنانة بشارة، تأتي المرأة كوسيلة لاستكشاف قضايا أوسع: الذات، الذاكرة، العزلة، الحلم، القيد، الحرية، والعلاقة بين الداخل والخارج فيما النوافذ والأبواب والفتحات والفضاءات المضيئة لا تبدو عناصر مكانية فقط، بل استعارات للعبور والظلال ليست مجرد تأثيرات ضوئية، وإنما إشارات إلى ما لا تستطيع الشخصية الإفصاح عنه كذلك يبرز الحلم بوصفه حالة بصرية متكررة حتى حين تكون الشخصيات نائمة أو مغمضة العينين، لا يبدو النوم نهاية للوعي، بل بداية لعالم آخر العين المغلقة في أكثر من لوحة تفتح المجال أمام المخيلة، فيما تتولى الألوان والضوء مهمة تصوير ما لا يمكن تصويره واقعياً ومن هنا يمكن فهم الميل إلى التمويه والتذويب في بعض التفاصيل، وإذا كانت هذه الأعمال تبدو للوهلة الأولى لوحات عن النساء، فإن التمعن فيها يقود إلى نتيجة أوسع: إنها لوحات عن الإنسان حين يقف بين عالمين، بين الضوء والظلام، الداخل والخارج، الجماعة والوحدة، الأرض والسماء، القيد والانطلاق وهذه الثنائية تمنح تجربة نهى بشارة توترها الأساسي

Leave a Comment
آخر الأخبار