الحرية ـ عثمان الخلف:
توصّف مصادر بحثية الكلفة الاقتصادية لخسارة سوريا رأس مالها البشري العامل بالضخمة والممتدة لسنوات، وهي ليست مجرد أثر جانبي للحرب، بل نزيفٌ طويل الأمد يطول الإنتاجية والنمو وفرص التعافي .
ورأس المال البشري هو ما يحوّل الاستثمار المادي إلى نمو فعلي، فإذا بُنيت المدارس ولم يعد هناك معلمون مؤهلون، أو أُنشئت المستشفيات من دون أطباء متخصصين، فإن العائد الاقتصادي على إعادة الإعمار يبقى ضعيفاً، كما أن هجرة الكفاءات تعني خسارة الاستثمار الذي أنفقته الدولة والمجتمع على التعليم والتدريب طوال سنوات.
كلفة الخسارة
سوريا لم تخسر فقط المباني، بل خسرت القدرة البشرية على إعادة بنائها بكفاءة، والتقديرات المتاحة تشير إلى أن الكلفة الاقتصادية للخسارة المادية قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، وفق الخبير الاقتصادي مازن الشاهين، مع أثرٍ طويل الأمد على النمو، والإنتاجية، والخدمات العامة، فخسارة ملايين المتعلمين والمهنيين، إلى جانب انقطاع أجيال عن التعليم وهجرة الأطباء والمهندسين والمعلمين، جعلت رأس المال البشري أحد أعنف أوجه الانهيار الاقتصادي.
مُشيراً إلى أن الكلفة لا تعني فقط غياب الأطباء والمعلمين والمهندسين، بل تشمل أيضاً: سنوات تعليم ضائعة لملايين الأطفال، وهجرة واسعة للكوادر المتخصصة.، إضافةً لتراجع الإنتاجية في سوق العمل وانخفاض القدرة على تشغيل المؤسسات العامة والخاصة بكفاءة .
ويلفت الشاهين إلى أنه مع خروج ملايين السوريين من البلاد، وتضرر قطاع التعليم، وتراجع الكوادر المتخصصة في الطب والهندسة والإدارة، باتت إعادة الإعمار في سوريا لا تتعلق بترميم المباني فحسب، بل باستعادة الإنسان القادر على تشغيلها وإدارتها وإعادة إنتاج النمو.
تأثيراتها على الإعمار
ويؤكد الشاهين أن خسارة القوة العاملة تؤدي إلى إبطاء إعادة الإعمار من أساسها، لأنها تُقلّل عدد من يستطيعون تنفيذ المشاريع، وتشغيل المرافق، وإدارة الخدمات بعد إعادة بنائها، فحتى لو توفّر التمويل والمواد، تبقى عملية الإعمار محدودة إذا كانت اليد العاملة الماهرة قد قتلت أو هاجرت أو خرجت من سوق العمل بسبب الحرب.
ويبين الشاهين أن كل تأخير في استعادة العمالة يرفع كلفة الإعمار ويخفض عائده، لأن قطاعات مثل البناء، والصناعة، والزراعة، والخدمات تحتاج إلى عمال وفنيين ومهندسين لتتحول الإنفاقات إلى إنتاج فعلي.
كما أوضح الخبير الاقتصادي أن تقديرات خبراء العمل تكشف أن فقدان الوظائف والمهارات يخلق فجوة طويلة الأمد لا تُعالج بمجرد إعادة فتح الورش أو تخصيص الموازنات، بل تتطلب برامج توظيف طارئة، وتدريباً مهنياً، وحماية اجتماعية، وربطاً مباشراً بين إعادة الإعمار وتنمية المهارات.
مؤكداً أن أثر خسارة القوة العاملة في الحالة السورية يأتي مُضاعفاً، لأن الحرب لم تدمّر البنية التحتية فقط، بل أفرغت السوق من كثير من الكفاءات، ما يجعل إعادة الإعمار أبطأ وأكثر كلفة، وربما أقل عدالة إذا نُفّذت من دون استثمار جدي في البشر قبل الحجر.
حلول بالمنظور
ويوضح الخبير الاقتصادي مازن الشاهين أن استعادة القوة العاملة السورية المهاجرة تبدأ من تقليل كلفة العودة، لا من الاكتفاء بدعوات معنوية، فالأولوية تكون لتأمين بيئة آمنة، ورواتب قابلة للعيش، وإجراءات إدارية بسيطة، مع قنوات واضحة للعودة التدريجية أو العمل عن بُعد لمن لا يستطيع العودة فوراً.
طارحاً جملة من المقترحات في هذا الإطار كتقديم حوافز مالية مباشرة تتضمن إعفاءات ضريبية، قروضاً ميسرة، ورواتب تنافسية للعاملين العائدين، خصوصاً الأطباء والمهندسين والمعلمين ورواد الأعمال.
كذلك المبادرة لتأهيل مهني سريع، عبر برامج تدريب وإعادة تأهيل لسد الفجوات التي أحدثتها سنوات الحرب، وربطها بحاجات السوق الفعلية في البناء والصحة والتعليم والزراعة.
والعمل على عودة تدريجية لا شاملة، وذلك بالسماح بالمشاركة عبر الاستشارات، التدريب، العمل الجزئي، أو التوظيف عن بُعد، بدل اشتراط العودة الدائمة منذ البداية.
ويختم الشاهين حديثه قائلاً: لابد قبالة ذلك من توفير بيئة قانونية ومؤسسية مستقرة، عبر مكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات، وتحديث القوانين بما يضمن الشفافية والحماية الوظيفية ، والعمل على شراكات مع دول الاغتراب بربط الكفاءات السورية في الخارج بمشاريع داخلية، وتمكينها من نقل المعرفة والخبرة حتى قبل العودة النهائية. فالعقول لا تعود إلى الفراغ، بل إلى اقتصادٍ يمنحها الأمان، والكرامة، والأجر العادل، وفرصة حقيقية للمشاركة في إعادة البناء.”