الحرية – ميليا اسبر:
بعد تفاقم ظروف المواطنين الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، عادت “الجمعيات الشهرية المالية” لتفرض نفسها كواحدة من أكثر الوسائل الشعبية انتشاراً بين الأسر وذوي الدخل المحدود، باعتبارها بديلاً أقل تعقيداً من القروض المصرفية وأكثر انسجاماً مع الواقع المعيشي.
فهذه الجمعيات القائمة على التعاون والثقة المتبادلة، لم تعد مجرد وسيلة للادخار، بل تحولت لدى كثيرين إلى فرصة لتأمين الاحتياجات الأساسية أو إطلاق مشاريع صغيرة بعيداً عن الفوائد البنكية والضمانات المعقدة.
وسيلة لتأمين الاحتياجات الأساسية
تقول سناء قاسم (موظفة) لـ”الحريّة”: إن فكرة الجمعيات الشهرية “مفيدة وممتعة جداً”، مشيرة إلى أنها تشترك فيها منذ أكثر من عشر سنوات، واستطاعت من خلالها شراء معظم أثاث منزلها، إضافة إلى شراء بعض القطع الذهبية عندما كانت الأسعار أقل بكثير من الوقت الحالي، ولفتت إلى أن الاشتراك في الجمعيات أفضل بكثير من اللجوء إلى القروض المصرفية، لأنها تتم من دون فوائد، كما أنها مناسبة جداً لذوي الدخل المحدود، فضلاً عن كونها أفضل من الاستدانة من الآخرين لما توفره من تنظيم والتزام بين المشتركين.
بداية مشروع صغير
بدوره يوضح فراس حيدر، وهو مزارع أن الجمعيات التي كان ولا يزال يشترك بها مع أصدقائه وأقاربه ساعدته على بدء مشروع زراعي صغير تمثل بداية ببيت بلاستيكي واحد، قبل أن يتوسع المشروع تدريجياً مع مرور الوقت، ليصبح اليوم مصدر دخل جيداً له ولأسرته.
صالح : تحقق فوائد اقتصادية سهلة ومرنة
وأشار إلى أن هذه الجمعيات وفرت له رأس المال الأولي الذي لم يكن قادراً على تأمينه عبر الوسائل التقليدية، ما ساعده على تطوير عمله الزراعي خطوة بخطوة.
بديل للتمويل الشخصي
بدورها أكدت الخبيرة الاقتصادية شمس محمد صالح في تصريح لـ”الحرية”: إن الجمعيات المالية الشهرية تعد نشاطاً اجتماعياً تكاتفياً ونظاماً مالياً تعاضدياً واسع الانتشار في البلاد العربية، من بينها سوريا، وهي حل بديل للتمويل الشخصي خاصة لذوي الدخل المحدود والمتوسط نظراً لغياب فوائد البنوك المعقدة.
فوائد اقتصادية
وأشارت إلى أنها تحقق فوائد اقتصادية بشكل سهل ومرن حيث تشكل تمويلاً بلا فوائد وذلك من خلال الحصول على مبلغ مالي كبير دون تحمل فوائد بنكية مرتفعة أو رسوم إدارية، ما يقلل العبء المالي، كذلك وسيلة ادخار ملزمة وإجبارية حيث أنها تساعد الفرد على اقتطاع جزء من راتبه شهرياً بشكل إلزامي، ما يساهم في توفير مبالغ مالية لشراء احتياجات كبيرة أو ادخارها.
وأضافت صالح: الجمعيات تساعد أيضاً في تغطية النفقات الطارئة والموسمية مثل تسجيل المدارس والجامعات و الأعياد أو المناسبات الاجتماعية أو شراء مستلزمات منزلية، كذلك سهولة الوصول والسرعة فهي قائمة على الثقة بين الأقارب أو الأصدقاء أو الزملاء ولا تتطلب إجراءات بنكية معقدة.
انعكاسات مباشرة
وذكرت صالح أن الجمعية الشهرية تعود بانعكاسات مباشرة تتبلور في تعزيز القوة الشرائية عن طريق تمكن الأفراد من شراء سلع معمرة (أثاث، أجهزة) يحتاجون فيها إلى سيولة فورية لا يوفرها الدخل الشهري المعتاد، ما يحرك عجلة الاستهلاك، وأيضاً هي بديل عن القروض الاستهلاكية حيث تقلل الاعتماد على البنوك لاسيما في الأوقات التي تكون فيها فوائد القروض مرتفعة أو عندما لا تغطي المصارف احتياجات ذوي الدخل المحدود، ونوهت أيضاً بمزايا الجمعيات الشهرية مقاومة الاستعصاءات المالية حيث
تتيح للأشخاص الذين لا يملكون حسابات بنكية أو لا يستطيعون الوصول للخدمات المصرفية الرسمية فرصة التمويل والادخار.
وترى صالح أن الجمعيات تضمن التكافل الاجتماعي والاقتصادي فهي تعزز الثقة بين الأفراد وتوفر دعماً اقتصادياً محلياً حيث تدار ضمن نطاق عائلي أو مهني ضيق، لكن بالمقابل هذه الجمعيات الشهرية قد تحمل مخاطر مالية إذا أخلّ أحد المشتركين بالسداد أو تقييمها مؤخراً بسعر الدولار وهي تشكل حالة إقراض مشروط “تقرضني أقرضك “.
تقوية الروابط الاجتماعية
من جهتها تؤكد الباحثة الاجتماعية أسمهان زهيرة لـ” الحرية”، أن الجمعيات الشهرية أو القروض الصغيرة تعد آلية اجتماعية فعالة لتعزيز التعاون وتقوية الروابط الاجتماعية عندما تقوم على الثقة والتفاهم بهدف حل أزمة مالية طارئة لأحد الأفراد دون فوائد.
وأوضحت أن المشاركين يجتمعون عادة عند استلام الدور، ما يسهم في تجديد التواصل وتقوية العلاقات الشخصية، إضافة إلى تعزيز الشعور بالأمان المالي وتخفيف التوتر والضغط النفسي الناتج عن الحاجة المفاجئة للمال.
زهيرة : تقوي النسيج الاجتماعي وتحد من التوترات الأسرية الناتجة عن الضغوط المادية
ورغم الإيجابيات، لفتت زهيرة إلى أن هذه الجمعيات قد تؤثر سلباً على العلاقات الاجتماعية في حال حدوث مشكلات مثل التأخر في الدفع أو عدم الالتزام.
الادخار التشاركي
وأكدت زهيرة أن الجمعيات تمثل شكلاً من أشكال الادخار التشاركي المهم لذوي الدخل المحدود، لأنها تلبي الاحتياجات الطارئة التي لا يمكن تغطيتها من الراتب الشهري، كما تساعد على الحد من الفقر عبر توفير سيولة مالية يمكن استثمارها في مشاريع منزلية صغيرة أو شراء احتياجات أساسية كترميم المنازل والأجهزة الكهربائية.
وأضافت: الالتزام الشهري بالدفع يسهم في تعزيز ثقافة الادخار وتحويلها إلى عادة مالية مستمرة، كما أن القروض الصغيرة أو الجمعيات ذات المبالغ المقبولة وعدد المشاركين الكبير قد تساعد على إنشاء مشاريع صغيرة تؤمن دخلاً ثابتاً للأسر.
مشيرة إلى أن الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الجمعيات تتمثل في الشعور بالأمان نتيجة توفر المال دون فوائد، ما يخفف القلق والضغط النفسي المرتبط بالمصاريف المفاجئة مثل تكاليف المدارس أو العلاج، فضلاً عن دورها في تقوية النسيج الاجتماعي والحد من التوترات الأسرية الناتجة عن الضغوط المادية.
وأخيراً يمكن القول إنه بين دورها الاقتصادي والاجتماعي، تبدو الجمعيات الشهرية اليوم أكثر من مجرد وسيلة ادخار تقليدية، إذ تحولت إلى أداة دعم متبادل تساعد كثيراً من الأسر على مواجهة الأعباء المعيشية وتأمين احتياجاتها بعيداً عن القروض والفوائد، ورغم أنها لا تشكل بديلاً كاملاً عن النظام المصرفي، فإنها أثبتت قدرتها على خلق فرص حقيقية للادخار والتمكين الاقتصادي وتعزيز روح التعاون داخل المجتمع، لاسيما في أوقات الأزمات.