الحرية ـ أحمد محمود الباشا:
تدخل قصة «القطة السوداء» في عالم الأدب النفسي، حيث تتعمق في أعماق الذات الإنسانية لتطرح قضايا الهوية والاغتراب، مستخدمة رمزية القطة للتعبير عن الهواجس والمخاوف، ومن أجواء المونولوج الداخلي وتداخل الواقع مع الخيال، يستعرض كاتب القصة أمين الساطي ضمن مجموعته القصصة «أوهام حقيقية» حكاية شاب يعيش صراعاً هادئاً مع ذاته، قبل أن تتصاعد الأحداث إلى نهاية لا تُحمد عقباها.
الحلم والضياع
تدور أحداث القصة حول شاب رسوب في البكالوريا مرتين، ولم تعد كلمات والده تحمل قلقاً بقدر ما تحمل حكماً نهائياً، بأن الفشل الثالث سيعني العمل في معمل بلوك، تحت هذا الشعور، تسللت إلى داخله كراهية خافتة لا واعية، تبرر نفسها بألف حجة، لكنه كان يرفض الاعتراف بذلك.
لكن المشكلة الأكبر لم تكن في الوالد، بل في الليل، فكلما أغمض عينيه، ظهرت قطة سوداء، لا تأتي من باب ولا نافذة، بل من داخله، كان يستيقظ فيراها جالسة في زاوية الغرفة، عيناها تلمعان كفكرتين شريرتين، لا تتحرك كثيراً، فقط تراقب، شعر بأن شيئاً في داخله ينتظر أن يخرج، ومع كل ليلة كانت المسافة بينه وبين الواقع تزداد هشاشة.
البحث عن تفسير
وعندما استمر مع هذا الوضع ذهب إلى عرّافة غجرية التي بدورها فتحت المندل، ثم نظرت إليه طويلاً وقالت: «هناك جني يتبعك في هيئة قطة سوداء، أرسل إليك بسحر من قريبة لك: «قصيرة، بدينة، شعرها أسود وعيناها عسليتان».
لم يحتج وقتاً طويلاً ليعرف أنها خادمتهم في البيت «رزان»، التي تنتابه تجاهها هواجس جنسية لا تتماشى مع القيم الدينية، وجد العقل المرهق تفسيراً لكل شيء: رسوبه، خوفه، شروده، قالت العرّافة إن فك السحر يحتاج إلى ذبيحة، لكنه كان مفلساً، فبدأ يفكر بطريقة مختلفة: إذا كان السحر مرتبطاً بها، فإزالتها تعني نهاية كل شيء.
القطة تبتسم في العتمة
كانت القطة تراقبه، وكان يشعر بأنها تعرف، وبأنها تبتسم في العتمة كلما اقترب من القرار، أدرك أخيراً أنه لن يستطيع التخلص من رزان قبل أن يتخلص من القطة، في تلك الليلة، أطفأ الضوء، جلس يراقب الزاوية، ظهرت العيون نفسها، لكنه هذه المرة لم يشعر بالخوف، اقترب ببطء، ورفع يده، وضغط على رقبتها.
في الصباح، أيقظته أمه بصراخ، وكان والده واقفاً عند باب الغرفة، وجهه شاحب، وعيناه لا تصدقان ماتراهما نظر إلى الأرض، فوجد رزان ممددة هناك، وعلى عنقها آثار أصابعه.
رفع رأسه ببطء يبحث عن القطة، فلم تكن في الزاوية، كانت في المرآة، تنظر إليه.
في العمق
في هذه القصة يتداخل الواقع والخيال في أجواء درامية، وقد امتاز أسلوب الكاتب الساطي بالواقعية السحرية، مستخدماً جملًا قصيرة تخدم أجواء الرعب النفسي والترقب، والتشخيص الذي يمنح القطة صفاتاً شيطانية، والسوداوية التي تسيطر على نبرة الحزن والضياع.
بهذا العمل، يظل الساطي وفياً لعالمه القصصي، حيث الرمزية والتداخل بين الواقع والخيال، والهواجس التي تنخر في النفس البشرية حتى لحظة الصدام الأخير.