الحرية- رنا الحمدان:
بعد انقطاع استمر نحو أربعة عقود، عاد القمح البلدي السوري غير المهجّن إلى الحقول عبر تجربة زراعية نُفذت في عدد من المناطق السورية، في محاولة لإحياء أحد الأصناف المحلية التي اشتهرت بها البلاد، وفتح الباب أمام استعادة زراعة الأصناف البلدية التي يرى القائمون على المبادرة أنها أقل كلفة وأكثر قدرة على التأقلم مع البيئة المحلية.
مدير زراعة طرطوس: النتائج الفردية لا تكفي لاعتماد الأصناف
ورغم النتائج الأولية المشجعة التي أعلنها فريق «حقول التضامن والكرامة»، تؤكد مديرية زراعة طرطوس أن اعتماد أي صنف جديد أو تعميم نتائج التجارب الحقلية يبقى مرهوناً بالتقييم العلمي والرسمي الذي تجريه الجهات المختصة.
رحلة البذور من سويسرا إلى سوريا
مؤسس مشروع «حقول التضامن والكرامة» سليمان دكدوك أوضح لـ«الحرية» أن المشروع بدأ بالحصول على بذور القمح البلدي السوري من بنك للبذور في سويسرا، حيث كانت محفوظة ضمن برامج الحفاظ على الأصناف التقليدية، قبل إكثارها في لبنان لعدة سنوات بالتعاون مع فريق “بذورنا جذورنا”، ثم نقلها إلى سوريا وزراعتها.
وأشار إلى أن التجربة اعتمدت الزراعة العضوية، دون استخدام الأسمدة أو المبيدات الكيميائية، مع الاكتفاء بالأسمدة العضوية ومحفزات طبيعية للجذور، بهدف اختبار قدرة الصنف البلدي على النمو في الظروف الطبيعية.
نتائج أولية مشجعة
ولضمان دقة المقارنة، زُرع هكتاران متجاوران في قرية عرب الشاطئ بإشراف المختص سومر محمد، وخضعا للظروف المناخية نفسها، حيث خصص أحدهما للقمح المحسن (المهجن) بمعدل 40 كيلوغراماً من البذار للدونم، فيما زرع الآخر بالقمح البلدي بمعدل 13 كيلوغراماً فقط.
وحسب القائمين على المشروع، بلغ إنتاج الهكتار المزروع بالقمح المحسّن نحو طنين، في حين وصل إنتاج الهكتار المزروع بالقمح البلدي إلى ثلاثة أطنان، رغم استخدام كمية أقل من البذار والاستغناء عن الأسمدة والمبيدات الكيميائية، معتبرين أن ذلك يعكس إمكانات واعدة لخفض تكاليف الإنتاج وتعزيز الزراعة المستدامة.
وأشار دكدوك إلى أن المزارعين الذين استضافوا التجربة حققوا ربحاً صافياً تجاوز 2700 دولار للمساحة البالغة 20 دونماً، فيما خسر المزارعون المجاورون 120 ألف ليرة عن كل دونم.
واعتمد الفريق آلية تقوم على توزيع البذار مجاناً، على أن يعيد المزارع بعد الحصاد الكمية نفسها من البذار، ليعاد توزيعها على مزارعين آخرين، بهدف توسيع انتشار الصنف بصورة تدريجية، كما اشترى الفريق المحصول منهم بالسعر المعتمد لدى الدولة.
وأضاف: إن التجربة لم تقتصر على سهل عكار، بل نُفذت أيضاً في مشتى الحلو، وساعين الشرقية، والقمصية، وريف سراقب الشرقي، وحققت – بحسب القائمين عليها – نتائج متقاربة من حيث الإنتاج والقدرة على تحمل الظروف البيئية.
دكدوك: التجربة اعتمدت الزراعة العضوية دون استخدام الأسمدة أو المبيدات الكيميائية
وبين دكدوك أن فكرة المشروع استُلهمت من تجربة مماثلة شارك فيها خلال وجوده في اليونان، هدفت إلى إحياء أصناف القمح التقليدية والحفاظ على التنوع الوراثي للمحاصيل.
«سوق الضيعة».. من الحقل إلى المستهلك
وامتداداً للمشروع، افتُتح «سوق الضيعة» في مدينة طرطوس لتسويق المنتجات الطبيعية مباشرة من المنتج إلى المستهلك، بما فيها الخبز المصنوع من القمح البلدي، فيما يجري العمل على افتتاح فرع جديد في اللاذقية، بالتزامن مع إقامة النسخة الثانية من مهرجان «تضامن» نهاية آب المقبل في منطقة نهر قيس بطرطوس تحت عنوان «قمح»، بمشاركة فعاليات مماثلة من دول حوض البحر المتوسط.
اعتماد الأصناف وفق برامج بحثية متخصصة
وفي تعليقه على نتائج التجربة، أوضح مدير زراعة طرطوس الدكتور محمد عدنان أحمد بتصريح لـ«الحرية» أن مساحة القمح البعلي في المحافظة تبلغ نحو 7500 هكتار، ويزرع معظمها بأصناف القمح البلدي القاسي، بينما تبلغ مساحة القمح المروي نحو 3200 هكتار، وتزرع بأصناف محسّنة، أبرزها صنف “شام”، إضافة إلى صنف «دوما»، ويعد القمح الطري الأكثر انتشاراً في المحافظة.
وقال إن متوسط إنتاج الدونم من القمح البلدي يبلغ نحو 100 كيلوغرام، في حين يصل متوسط إنتاج الدونم من القمح المحسّن إلى نحو 200 كيلوغرام، وفق البيانات المعتمدة لدى المديرية.
وأضاف إن استنباط وتحسين أصناف القمح في سوريا يتم من خلال برامج بحثية تنفذها فرق فنية متخصصة بالتعاون بين وزارة الزراعة وكل من أكساد وإيكاردا، حيث تخضع الأصناف لتجارب علمية متعددة قبل اعتمادها وتحديد مدى ملاءمتها للبيئات السورية المختلفة.
وأكد أحمد أن نتائج أي تجربة فردية، مهما بدت مشجعة، لا يمكن تعميمها أو اعتمادها رسمياً قبل تقييمها من قبل الجهات البحثية المختصة، وإثبات نتائجها عبر تجارب علمية متكررة وفق الأصول المعتمدة.
بين المبادرات المجتمعية والتقييم العلمي
تسلط تجربة القمح البلدي الضوء على اهتمام متزايد بإحياء الأصناف المحلية والحفاظ على التنوع الوراثي للمحاصيل السورية، في وقت تؤكد فيه الجهات الرسمية أهمية إخضاع هذه المبادرات للتقييم العلمي قبل اعتمادها على نطاق واسع.
وبين النتائج الأولية التي يطرحها القائمون على المبادرة، ورؤية المؤسسات البحثية والزراعية، تبدو الحاجة قائمة إلى تعاون مشترك يتيح دراسة هذه التجارب وفق أسس علمية، بما يسهم في تطوير القطاع الزراعي، وتعزيز الأمن الغذائي، والحفاظ على الإرث الوراثي للمحاصيل السورية.