الحرية – أمين سليم الدريوسي:
هل سمعت يوماً أن إنساناً قد أصيب بسرطان القلب؟ وهل تساءلت من قبل لماذا يستهدف هذا المرض الشرس أعضاء كالرئتين، والكبد، والدماغ، ولكنه يتخلى تماماً عن أهم عضلة في جسم الإنسان؟.
لسنوات طويلة، ظل هذا السؤال يؤرق الأوساط الطبية، إلى أن جاءت الإجابة من إيطاليا مؤخراً، حيث نجح فريق طبي بحثي من المركز الدولي للهندسة والتكنولوجيا الحيوية (ICGEB) في ترييستي، برئاسة الدكتور ماورو جياكا، في فك طلاسم هذا اللغز الطبي الذي حير الباحثين طويلاً، وجاءت هذه النتائج الثورية منشورة في مجلة «ساينس» (Science) العريقة.
تقول البحوث التي أحريت، إن القلب، ذلك العضو الحاصد للحياة، الذي يضخ الدم آلاف المرات يومياً دون توقف، يتمتع بحصانة فريدة ضد الأورام. لكن لماذا؟
لغز طويل.. وحل في القلب النابض
البروفيسور توماس إشنهاغن، رئيس مركز الطب التجريبي في جامعة هامبورغ «وهو لم يكن رئيس الفريق المكتشف بل علّق على أهمية الدراسة المنشورة»، يضعنا أمام التفسير المنطقي قائلاً: «عندما تستلقي في السرير، تسترخي عضلاتك جميعها، عدا القلب، فهو العضو الوحيد الذي لا يستطيع التوقف أو الاسترخاء، لأنه باختصار: توقفه يعني الموت، فهو محكوم بالانقباض الأبدي».
تجربة فريدة تكشف السر
من هنا انطلقت فرضية أن «الضغط المستمر» هو السر وراء مناعة القلب، ولإثبات ذلك، أجرى الفريق البحثي الإيطالي تجربة فريدة وموثقة علمياً، حيث زرعوا قلباً ثانياً في أجسام فئران التجارب بحيث يتغذى بالدم لكنه لا يقوم بوظيفة الضخ «أي أنه قلب غير نابض».
وكانت المفاجأة التي تقول: إن الخلايا السرطانية التي تم حقنها لم تجد أي مكان لتنمو فيه داخل القلب النابض طبيعياً، بينما اجتاحت واستولت على القلب غير النابض بالكامل، هذا الإثبات العملي أكد أن الضخ المستمر للقلب هو الذي يوقف نمو الأورام.
الضغط.. درع حماية القلب
ولكن ما السبب الميكانيكي خلف ذلك؟ هنا تمكن الباحثون من معرفة الإجابة باستخدام أنسجة قلبية مستزرعة في المختبر، حيث قاموا بتجربة راقبوا من خلالها كيف تتفاعل الخلايا السرطانية مع التمدد أو الضغط الواقع على شرائح الأنسجة، وكشفت التجربة أن الضغط الإيجابي المستمر هو العامل الحاسم الذي يثبط نمو الأورام «عبر إطلاق بروتينات معينة تعيق انقسام الخلايا السرطانية».
في المقابل، في أعضاء أخرى كالرئتين، يحدث العكس تماماً، حيث يسود ضغط سلبي بسبب حركة الحجاب الحاجز والأضلاع، ما يسمح للخلايا السرطانية بالنمو والانقسام بسهولة أكبر.
آفاق جديدة لعلاج السرطان
لم يتوقف الإنجاز عند حدود المراقبة، بل نجح العلماء في رصد البروتينات الدقيقة والعمليات الحيوية المسؤولة عن هذه الظاهرة، وقد أجرى الفريق الإيطالي بالفعل تجارب أولية ناجحة على النماذج الحيوانية لمحاربة الأورام في أعضاء أخرى باستخدام محاكاة هذا «الضغط الميكانيكي»، مما يفتح الباب أمام إمكانية تطوير علاجات مبتكرة تعتمد على إحداث إجهاد ميكانيكي مشابَه لقمع الأورام في المستقبل.
من هنا، ربما يكون الضغط -ذلك العدو الذي يرهق قلوبنا ويزيد من توترنا اليومي- هو السلاح السري ذاته الذي يحميه بيولوجياً من أخطر الأمراض. ورغم أن هذه الاكتشافات لا تزال في بداياتها نحو صياغة نظريات علاجية مبتكرة، يبقى المؤكد حتى الآن أن نبضات القلب السريعة والمنقبضة بلا هوادة، لم تكن وحدها سر بقائنا أحياء، بل كانت أيضاً حصناً منيعاً استعصى على أخبث أسرار الطبيعة.