الحرية– هناء غانم:
في خطوة وصفت بأنها الأبرز من نوعها بعد التحرير، سمح مصرف سوريا المركزي للمصارف وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة بالتعامل مع شبكات الدفع العالمية مثل «فيزا» و«ماستركارد»، في إطار توجه يهدف إلى تحديث البنية المصرفية السورية وتعزيز منظومة الدفع الإلكتروني، تمهيداً لربطها تدريجياً بالمعايير المالية العالمية.
ويأتي القرار في وقت يشهد فيه العالم توسعاً متسارعاً في أنظمة الدفع الرقمي والخدمات المصرفية الإلكترونية، ما يضع القطاع المالي السوري أمام مرحلة جديدة تتطلب تطوير البنية التقنية والرقابية للمصارف، وتعزيز الثقة بالمعاملات الإلكترونية، إلى جانب مواكبة متطلبات الأمن السيبراني والامتثال المالي الدولي.

خطوة تعيد الثقة بالقطاع المصرفي
واعتبر عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق أن السماح بالتعامل مع شبكات الدفع العالمية يمثل خطوة إيجابية ومهمة نحو إعادة دمج القطاع المصرفي السوري في المنظومة المالية العالمية، وأوضح في حديثه لـ«الحرية» أن الاتفاقيات مع الجهات المالية الخارجية الموثوقة ستمنح المصارف السورية قدرة أكبر على تنفيذ التحويلات والتعاملات المالية وفق المعايير الدولية.
وأشار الحلاق إلى أن مصرف سوريا المركزي يعمل على تعزيز الشفافية المالية ومكافحة غسل الأموال، من خلال تطوير آليات تتعلق بمعرفة مصادر الأموال وتنظيم حركة التحويلات، بما ينسجم مع الأنظمة المالية العالمية ويعزز موثوقية النظام المصرفي السوري أمام المؤسسات الخارجية.
استقرار سعر الصرف شرط أساسي للنجاح
وأوضح الحلاق أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بشكل مباشر باستقرار سعر الصرف، لافتاً إلى أن وجود فجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية قد يخلق تحديات تتعلق بطريقة احتساب العمليات المالية عند استخدام بطاقات الدفع الدولية داخل سوريا أو خارجها.
كما بيّن أن إدخال بطاقات الدفع العالمية يتطلب تطويراً كبيراً للبنية التقنية في المصارف، سواء على مستوى البرمجيات أو أنظمة الحماية والأمن السيبراني، إضافة إلى تأهيل الكوادر البشرية القادرة على التعامل مع المخاطر الإلكترونية وعمليات الاحتيال وسرقة الحسابات.
القطاعات الأكثر استفادة
أشار الحلاق إلى أن القطاعات الأكثر استفادة من القرار ستكون السياحة والفنادق والمطاعم ومنافذ البيع المباشر، نظراً لاعتمادها على وسائل الدفع الحديثة وتعاملها المستمر مع الزوار القادمين من الخارج، موضحاً أن انتشار الدفع الإلكتروني يسهم في تخفيف الاعتماد على النقد الورقي وتعزيز الاستقرار المالي، كما سيساهم في خلق فرص اقتصادية جديدة في مجالات البرمجيات والتجهيزات التقنية والتدريب والأمن السيبراني، إلى جانب زيادة الطلب على الكفاءات المتخصصة في الخدمات المصرفية الرقمية.
وشدد الحلاق على أهمية رفع الوعي لدى المستخدمين حول طرق التعامل الآمن مع البطاقات والحسابات الإلكترونية، محذراً من مخاطر الاحتيال الرقمي وتسريب البيانات المصرفية، خاصة مع تزايد الهجمات الإلكترونية عالمياً.
بداية حقيقية لاندماج سوريا في الاقتصاد الرقمي العالمي
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور باسم المصطفى، في تصريح لـ«الحرية»، أن قرار مصرف سوريا المركزي يشكل خطوة استراتيجية مهمة نحو تحديث النظام المالي السوري وإعادة ربطه تدريجياً بالاقتصاد العالمي، وأكد أن أهمية القرار لا تقتصر على الجانب التقني المرتبط باستخدام بطاقات الدفع الدولية، بل تمتد إلى تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي وتهيئة البيئة اللازمة لعودة التحويلات والتعاملات المالية الرسمية عبر القنوات المعتمدة.
وأوضح المصطفى أن القطاعات الأكثر استفادة ستكون السياحة والتجارة والخدمات، إذ إن توفر وسائل دفع دولية يسهل عمليات الإنفاق للزوار ورجال الأعمال، ويمنح المؤسسات التجارية قدرة أكبر على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، كما يسهم في تقليل الاعتماد على النقد الورقي والحد من مخاطر التداول النقدي المباشر.
التحديات المتبقية
أشار المصطفى إلى أن نجاح التجربة يتطلب استقرار سعر الصرف وتوحيد السياسات النقدية، إضافة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية للمصارف وتعزيز منظومات الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية وغسل الأموال، وحذر من أن أي فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والسوق الموازية قد تؤثر سلباً على فعالية استخدام بطاقات الدفع الدولية.
وأكد أن المصارف السورية ستحتاج إلى استثمارات كبيرة في التكنولوجيا والتدريب والتحديث البرمجي لضمان توافقها مع المعايير الدولية الخاصة بحماية البيانات والعمليات المالية الإلكترونية، خاصة أن شبكات الدفع العالمية تفرض متطلبات صارمة تتعلق بالشفافية والامتثال والأمان.
وخلص المصطفى إلى أن القرار يمثل بداية فعلية لمرحلة التحول نحو الاقتصاد الرقمي في سوريا، لكنه يحتاج إلى تعزيز الثقافة المالية لدى الأفراد، وتقديم خدمات مصرفية برسوم مناسبة، وتحسين ثقة المواطنين باستخدام أدوات الدفع الإلكتروني بشكل يومي وآمن، بما يضمن نجاح التجربة وتحقيق آثارها الاقتصادية على المدى الطويل.