الحرية – محمد زكريا:
يشهد قطاع النقل البحري واللوجستيات في سوريا حدثاً استراتيجياً بارزاً، متمثلاً في إعلان مرفأ طرطوس عن استعداده لتصدير مادة الكبريت القادمة من العراق عبر الأردن «ترانزيت».
ووفق المعطيات المعلنة، فإن الشحنة الأولى ربما تصل خلال الأيام القليلة القادمة، والمقدرة بحمولة تبلغ 10 آلاف طن، كخطوة أولى ضمن خطة شاملة لتمرير مليون طن من الكبريت الخام عبر المرافئ السورية، فالأوساط الاقتصادية التقليدية بالتأكيد تحتفي بالعوائد المباشرة لرسوم العبور الجمركية وتحريك قطاع الشاحنات، ولكن الأهم من ذلك أن قراءة هذا الخبر بعيون استراتيجية تفرض علينا رؤية أعمق وأكثر جرأة، تتجاوز التفكير بعقلية الممر، لتصل إلى عقلية التوطين وبناء بذور الصناعة السيادية.
الحداثة الاقتصادية
وحسب الخبير الاقتصادي محمد خالد حسون فإن العقلية الاقتصادية الحديثة تتطلب من الحكومة السورية عدم الاكتفاء بمشاهدة قوافل الكبريت وهي تغادر المرافئ، بل يلزمها استراتيجياً التدخل لشراء واستقطاع جزء حيوي من هذا الخام العراقي العابر، وتحويله إلى ركيزة لإنتاج مئات «البرندات» والموديلات الوطنية، بالاعتماد على التطبيق العملي عبر عدة محاور، منها، على اعتبار الكبريت بذرة للصناعات الثقيلة وحماية الأمن الغذائي، حيث يُلقب الكبريت عالمياً بـ«ملك المواد الكيميائية» و«مقياس التقدم الصناعي للدول».
وبالتالي، فإنه من خلال استقطاع جزء من هذا الخام، تستطيع الحكومة وضع يدها على بذور الصناعة الأساسية التي يعجز القطاع الخاص عن الاستثمار فيها بمفرده لارتفاع تكاليفها ونزوعه للربح السريع.
مسار الاستفادة
وبيّن حسون لـ«الحرية» أن من أبرز الخطوات التي يجب العمل عليها للاستفادة من الكبريت العراقي:
أولاً: تأسيس معامل لإنتاج حمض الكبريتيك، وهو السائل الخام المشغّل لبطاريات السيارات، وتكرير النفط، ومعالجة المعادن، وصناعات المنظفات، الذي بدونه تتوقف آلاف الورش الصغيرة عن العمل إما لقلة السيولة أو بسبب أزمات الاستيراد.
ثانياً: إحياء الأسمدة الفوسفورية لخدمة 20 مليون مواطن، بدمج الكبريت مع الفوسفات السوري الشهير، ومنه يتم إنتاج أسمدة «السوبر فوسفات» محلياً، وهو ما يرفع كفاءة إنتاج التربة السورية المأزومة، ويحقق الاكتفاء الذاتي للفلاح، ويمنع استنزاف القطع الأجنبي في استيراد السماد.
ثالثاً: فلكنة المطاط وصناعة الإطارات، حيث يُعد الكبريت المادة الأساسية الوحيدة القادرة على تقسية المطاط الخام وتحويله إلى إطارات وسيور ميكانيكية تخدم قطاع النقل وتجميع السيارات.
الآلية التنفيذية
وعن الآلية التنفيذية المقترحة لتنفيذ هذا المشروع على أرض الواقع، أوضح حسون أنه يتم تطبيق خطة تنفيذية مرنة مستوحاة من التجارب الاقتصادية الناجحة، منها التأسيس السيادي ثم الشراكة المناصفة.
حيث تقوم الحكومة بإنشاء معامل كبرى لمعالجة الكبريت، وتأمين خطوط إنتاجها، وبعد استقرار الإنتاج بالكامل، يتم بيع 50% منها للقطاع الخاص لضخ مرونة الإدارة والتسويق، مع احتفاظ الحكومة بـ50% كحصانة سيادية.
تحصين حكومي
وأوضح حسون أن التحصين ضد صدمات الدول النامية أمر إيجابي، وهو من مسؤوليات الحكومة، حيث تعاني المصانع في 120 دولة نامية من التوقف والانهيار نتيجة أزمات قلة السيولة وحروب الإغراق بالمنتجات المستوردة، وهنا تبرز قوة الشراكة مع الحكومة: فبصفتها شريكة بالنصف، تتدخل فوراً عند تعرّض مصانع الأسمدة أو الحموض الكيميائية للإغراق الخارجي أو لنقص التدفقات النقدية، فتقوم بضخ السيولة الفورية وحماية المنتج الوطني، ما يضمن استمرار المصنع دون توقف.
تحفيز القطاع الخاص
ولفت حسون إلى أهمية تحفيز القطاع الخاص لإنتاج «البرندات» والموديلات، فعندما تتدخل الدولة بذكاء لتوفير «بذور الصناعة الكيميائية» (حمض الكبريتيك، والكبريت الزراعي والطبي النقي) بأسعار منافسة ومستقرة، فإنها تفتح الباب على مصراعيه للقطاع الخاص ليتحرك بحرية تامة ومرونة تسويقية لإنتاج المئات من المنتجات النهائية، مثل: مستحضرات التجميل، والمنظفات، والأدوية والمضادات الحيوية البشرية والبيطرية، والصناعات الغذائية (الكونسروة) التي تعتمد على الكبريتات كمواد حافظة، ما يدفع بحركة التصدير السوري نحو الأسواق العالمية بقوة وثبات.
فرصة تاريخية
فعبور مليون طن من الكبريت عبر الأردن إلى مرفأ طرطوس يجب ألا يمر كحدث لوجستي عابر لجمع بعض الرسوم الجمركية، بل هو فرصة تاريخية يجب أن تلتقطها الإدارة الاقتصادية السورية، ومن ثم، فإن إلزامية استثمار جزء من هذا الخام لبناء البنية التحتية للصناعات الكيميائية والزراعية بالشراكة المناصفة مع المستثمر الوطني، هو السبيل العلمي الوحيد لإنهاء التخبّط والضبابية الفكرية، وبناء اقتصاد مرن وحديث يملك اتجاهاً واضحاً ومستقراً ومحصناً ضد كافة الأزمات الخارجية.