الحرية – فادية مجد:
تتسلل لحظات الفرح إلى حياة الإنسان كضوء خفيف يبدد ثقل الأيام، وتبقى رغم مرور الزمن شاهدة على قدرة القلب على التجدد، وفي كل مرة نستعيد فيها تلك اللحظات، نكتشف أن الفرح ليس حدثاً عابراً، بل هو رصيد عاطفي يعيد تشكيل نظرتنا للحياة، ويمنحنا قوة إضافية لمواجهة ما يأتي.
وخلال تواصل صحيفة «الحرية» مع عدد من أبناء مدينة طرطوس، نقترب من محطات إنسانية عاشها أشخاص مختلفون، لنكتشف كيف يمكن للحظة واحدة أن تغير حياة كاملة.
نجاح ينتظره القلب
تعود فداء علي بذاكرتها إلى يوم صدور نتائج الصف التاسع، ذلك اليوم الذي ما زال حاضراً في تفاصيله رغم مرور السنوات، حيث أفادت لـ«الحرية» أنها كانت في يوم إعلان النتائج قلقة وأعصابها متوترة، لأنها لم تقدم بشكل جيد في امتحان اللغة الإنكليزية بسبب مرضها، مضيفة أنها في يوم صدور النتيجة كانت تنتظر والدها، والذي ما إن دخل المنزل حتى سمعت جملة غيرت حياتها: «مبروك فداء.. نجحتِ وعلاماتك جيدة».
وتصف تلك اللحظة بأنها كانت مزيجاً من الدموع والذهول والفرح، والدتها كانت تبكي وتردد: «الله يسعد بشايرك يا أبا علي»، بينما كان أخوها الصغير، بعمر ست سنوات، يقفز ويصرخ بحماس: «تحيا فداء»، مشيرة إلى أن هذا اليوم كان بالنسبة لها بداية أفراحها، وثقتها بنفسها، بأنها قادرة على النجاح مهما كانت الظروف.
نجاة تعيد الحياة
أما حنين مصطفى، فقد عاشت فرحة مختلفة تماماً، فرحة تتعلق بالحياة نفسها، فقد عانت طويلاً من آلام المعدة، وكانت تخشى أن يكون المرض خبيثاً بسبب طول المعاناة، وبعد العملية الجراحية، كان اختبار الخباثة هو اللحظة الفاصلة، لافتة إلى أنها ما زالت تتذكر اتصال أخيها علي الذي تلقى النتيجة أولاً، وهو يقول بصوت مختنق: «الحمد لله يا حنين.. نتيجة التحليل سليمة».
وتشير مصطفى إلى أن تلك اللحظة كانت الفرحة الأغلى، مضيفة أنها ولدت من جديد، وكل الخوف الذي كان يسكنها اختفى، وما تمنته فقط هو أن تعيش بسلام بعد هذه التجربة القاسية.
ارتباط يفتح باب المستقبل
وتروي ريم عبد الكريم أن لحظة خطوبتها كانت نقطة تحول في حياتها، مبينة أنها شعرت بأن المستقبل أصبح واضحاً أمامها، وأنها لم تعد تسير وحدها، وكان الخاتم في يدها إعلاناً عن بداية فرح وحب انتظرته، موضحة أن تلك الفرحة بأنها ستكون مع شخص تحبه كانت أجمل ما تمنته في حياتها، مشيرة إلى أن درب الحياة مهما كان صعباً سيصبح أسهل حين تتشاركه مع شخص تختاره بقلبك.
خطوة أولى نحو الاستقلال
أما أحمد يونس، فيصف يوم حصوله على أول وظيفة بأنه اليوم الذي شعر فيه بأنه أصبح جزءاً من المجتمع بشكل فعلي، وهو الفرح الذي لا يمكن نسيانه، ويسترجع ذكريات فرحه عندما تلقى اتصال القبول، والذي غمره وعائلته بسعادة كبيرة، وكان بمثابة فتح باب جديد أمامه، باب يطل على الاستقلال وتحقيق الذات، وبداية طريق نحو أحلام جديدة، وثقة أكبر بقدرته على بناء مستقبله.
الرجوع إلى أرض الوطن
أما الدكتور إبراهيم حسن فيقول إن لحظة عودته إلى سوريا بعد سنوات طويلة من الغربة كانت أجمل لحظات الفرح التي مرت في حياته، موضحاً أنه عندما رأى مطار دمشق من نافذة الطائرة، شعر بأن كل الذكريات تعود دفعة واحدة: زواريب القرية، رائحة البيوت الطينية، أصوات الجيران، حيث كانت تلك اللحظة بالنسبة له إحساساً بالأمان والفرح الشديد.
لحظات الفرح التي تمد بالقوة والأمان
هذا وترى المرشدة الاجتماعية شاديا أحمد أن لحظات الفرح التي يعيشها الإنسان تشكل محطات أساسية في مسار حياته، لأنها ترتبط عادةً بتجارب عميقة تترك أثراً طويل المدى في الذاكرة. وتوضح أن الإنسان يعود إلى هذه اللحظات كلما مر بظرف صعب، ليستمد منها ما يحتاجه من قوة وطمأنينة، وكأنها روافد نفسية تعيد إليه توازنه الداخلي، مشيرة إلى أن الفرح، مهما كان بسيطاً أو مرتبطاً بحدث يومي، لا يمر دون أن يترك علامة واضحة في حياة الفرد. فالنجاح الأول يمنحه شعوراً بالقدرة، والشفاء يعيده إلى الأمان، والارتباط يفتح أمامه باب المشاركة، والعمل يمنحه الاستقلال، والعودة إلى الوطن تعيد إليه جذوره وانتماءه.
وتؤكد أحمد أن هذه اللحظات تشكل انتقالات نفسية مهمة، لأنها تنقل الإنسان من حالة إلى أخرى، وتجعله أكثر وعياً بذاته، وبما يستطيع تحقيقه، مضيفة أن الاحتفاظ بهذه اللحظات في الذاكرة ليس مجرد ترف عاطفي، بل هو حاجة نفسية تساعد الإنسان على مواجهة التحديات بثقة أكبر، فكل تجربة فرح تصبح مرجعاً داخلياً يعود إليه الفرد عندما يشعر بالضغط أو الخوف أو التردد، فيتذكر أنه قادر على تجاوز الصعوبات كما تجاوزها في السابق.
وتنهي أحمد حديثها بأن لحظات الفرح ليست مجرد أحداث جميلة، بل هي علامات مميزة في حياة الإنسان، تشكل جزءاً من هويته العاطفية، وترافقه في رحلته مهما تغيرت الأيام.