مخاوف من موجات غلاء نتيجة ارتفاع سعر الصرف.. ترتيب أولويات الإنفاق والرقابة على الاسواق يخفف الضغط

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ سراب علي :

يترقب المواطنون بقلق  تداعيات  الارتفاع المتواصل لسعر صرف الدولار  على حياتهم اليومية، وسط تخوف متزايد من موجة غلاء قادمة تهدد قدرتهم الشرائية وتثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود بارتفاع أسعار السلع والخدمات، خاصة تلك المستوردة أو التي تعتمد على مستلزمات إنتاج من الخارج. ومن هنا تبرز أسئلة  حول مدى مشروعية هذا التخوف، مع ضرورة تحديد السلع والخدمات الأكثر عرضة للارتفاع، وأهمية تفعيل آليات الرقابة الفعالة على الأسواق لمواجهة الاحتكار والتلاعب بالأسعار.

قلق مبرر

يشير هنا الدكتور يحيى السيد عمر الباحث في الاقتصاد السياسي إلى أن  هذا القلق يبدو مُبرَّراً في ظل طبيعة الاقتصاد السوري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، سواءٌ للسلع الجاهزة أو للمواد الأولية الداخلة في الإنتاج. لذلك فإن أيّ تغيُّر في سعر الصرف ينعكس تدريجياً على الأسعار، ويضغط على القدرة الشرائية.

موضحاً في تصريحه لـ”الحرية ” أن حركة الأسعار في سوريا لا تتأثر فقط بسعر الدولار بشكل مباشر، بل تمرّ عبر سلسلة من التكاليف تبدأ من الاستيراد وتنتهي عند المستهلك،  فالتاجر الذي يستورد بعُملة أجنبية يُعيد احتساب تكلفته فوراً، والمُنتِج المحلي الذي يعتمد على موادّ مستوردة يُواجه زيادة في تكلفة الإنتاج، هذا الواقع يجعل انتقال أثر الدولار إلى الأسواق أمرًا شبه حتمي، لكنّه لا يحدث دائمًا بنفس السرعة أو بنفس الحجم.

زيادات تتجاوز التأثير الفعلي

وأضاف: في المقابل تظهر في كثير من الأحيان زيادات تتجاوز التأثير الفعلي لسعر الصرف، وبعض الأسواق تشهد تسعيراّ مبالغاً فيه نتيجة توقُّعات مسبقة بالغلاء أو بدافع تحقيق هامش ربح أكبر خلال فترات عدم الاستقرار، هذا السلوك يُوسّع الفجوة بين التكلفة الحقيقية والسعر النهائي، ويزيد من شعور المواطنين بأن الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من مبرراتها الواقعية.

ولفت السيد عمر إلى أن السلع الأكثر تأثراً تبقى تلك المرتبطة مباشرة بالاستيراد،المواد الغذائية الأساسية مثل السكر والزيوت والأرز مُرشَّحة لزيادات واضحة، إضافةً إلى السلع التي تعتمد على مكوّنات مستوردة حتى وإن كانت تُنتَج محليّاً كذلك ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس على تكاليف النقل والتوزيع، ويؤدي إلى زيادة واسعة تشمل معظم السلع في الأسواق.

كما أشار إلى أن الخدمات بدورها تدخل في هذه الحلقة، لناحية  ارتفاع تكاليف التشغيل، سواء في النقل أو الطاقة أو المواد الخام، يدفع مقدمي الخدمات إلى تعديل أسعارهم. يشمل ذلك النقل الخاص، وأعمال الصيانة، وبعض الخدمات الطبية والتعليمية الخاصة. هذا الامتداد يجعل تأثير الدولار واسعاً، بحيث لا يقتصر على السلع بل يصل إلى مختلف جوانب الحياة اليومية.

خيارات محدودة لكن مهمة

في مواجهة هذه التطورات، يبين الباحث الاقتصادي أن  المواطن  يملك خيارات محدودة، لكنّها مُهمة،  كإعادة ترتيب الأولويات في الإنفاق تساعد على تخفيف الضغط، مع التركيز على الحاجات الأساسية وتأجيل الكماليات، كما أن التوجُّه نحو البدائل المحلية الأقل تكلفة، ومتابعة تغيُّرات الأسعار بين الأسواق، يُسهم في تقليل أثر الزيادات، إذ إن هذه الإجراءات لا تمنع الغلاء، لكنها تَحُدّ من تأثيره المباشر على ميزانية الأسرة.

أما على مستوى الإدارة الاقتصادية فيؤكد   السيد عمر على  أهمية الرقابة على الأسواق كعامل حاسم في ضبط الأسعار، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية بشكل يومي، ومتابعة حركة التسعير مقارنةً بالتكاليف الفعلية، يُقلِّل من فرص التلاعب، كما إن وجود تسعيرة واضحة لبعض السلع الأساسية، إلى جانب تشديد العقوبات على المخالفين، يَحُد من الممارسات الاحتكارية التي تظهر عادةً في فترات التقلب.

وفي موازاة ذلك، يشير إلى دور المصرف المركزي كخط دفاع أول في مواجهة الاضطراب النقدي، عبر تشديد الرقابة على عمليات المضاربة على الليرة، والتي تسهم بشكل مباشر في تسريع تدهور سعر الصرف. فاستمرار هذه الممارسات دون ضبط فعّال قد يدفع الليرة إلى مستويات متدنية جداً، ما يفرض ضغوطاً اقتصادية واجتماعية جديدة على المواطن، كما أن الحدّ من نشاط الصرافة غير المنظمة، التي تتم عبر مكاتب وشركات غير مُرخَّصة، يُشكّل خطوة أساسية لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، ودعم استقرار السوق.

تنظيم سلاسل التوريد

كما يؤكد الباحث الاقتصادي إلى أن تنظيم سلاسل التوريد يُمثّل عنصراً مُكمّلاً للرقابة،  كتسهيل وصول السلع الأساسية إلى الأسواق، وضمان توزيعها بشكل متوازن، يُقلّل من حالات النقص التي تُستغَلّ لرفع الأسعار، كما إن تعزيز الشفافية في التسعير يمنح المستهلك قدرة أكبر على التمييز بين السعر المُبرَّر والسعر المُبالَغ فيه، وهو ما يضغط باتجاه استقرار نسبي في السوق.

وختم بالقول يعكس ارتفاع الدولار في سوريا ضغطاً حقيقيّاً على الأسعار، لكنه لا يُفسِّر كل الزيادات التي قد تحدث، وهناك فرق واضح بين التأثير الفعلي والتضخيم الناتج عن سلوك السوق، مشيراً إلى أن تقليص هذه الفجوة يتطلب توازناً بين رقابة فعَّالة وسياسات واضحة، إلى جانب وعي استهلاكي يساعد على التكيُّف مع مرحلة تتّسم بحساسية عالية في حركة الأسعار.

Leave a Comment
آخر الأخبار