الحرية – صالح صلاح العمر:
في زمنٍ صار فيه الإعلام سلاحًا لا يقل أثرًا عن أي قوةٍ على الأرض، تبدو بعض المنصات وكأنها اختارت أن تستخدم هذا السلاح، لكن باتجاهٍ معاكس لكل ما يُفترض أن يخدم الناس، ويُحسن واقعهم المعيشي،
الحملات المضللة التي لا تهدأ، والتغطيات التي لا ترى إلا زاوية واحدة، ثقب الباب المكسور، تحوّلت إلى حالةٍ شبه دائمة،
ليس النقد هنا هو المشكلة، بل طريقته: لغةٌ حادّة تلامس أحيانًا حدود اللياقة وقلة الادب، وأسلوب أقرب إلى التهجّم منه إلى الطرح، وتحليلاتٌ تُبنى على الانطباع أكثر مما تستند إلى الوقائع.
ومن بين هذه النماذج، تبرز منصة شارع التي تقدّم نفسها كصوتٍ حر، بينما يلاحظ المتابع أن خطابها ينزلق مرارًا نحو التعميم، والمبالغة، وأسلوبها يُعتبر شوارعياً بامتياز، ولكل بوق من اسمه نصيب، واستخدام تعبيرات تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية، النقد حق، نعم، لكن تحويله إلى مساحةٍ للإساءة أو التقليل من أي جهد قائم لا يخدم الحقيقة، بل يسيء إليها.
المشكلة الأعمق أن هذه المنصات لا تكتفي بانتقاد أداء الحكومة السورية الجديدة، بل تبدو وكأنها في معركةٍ مفتوحة مع أي فكرة تشير إلى تحسنٍ أو محاولة بناء، كل خطوة للأمام تُقابل بالتشكيك، وكل مبادرة تُختزل إلى نوايا خفية، وكأن الاعتراف بأي إنجاز—even لو كان محدودًا—يُعد خسارة في ميزان الخطاب.
في المقابل، تمضي الحكومة السورية الجديدة – بكل ما يحيط بها من تحديات وتعقيدات – في محاولاتٍ لتحسين الواقع المعيشي، ورفع مستوى الخدمات، وإعادة رسم صورة المواطن السوري بما يليق بكرامته، قد تنجح أحيانًا وتتعثر أحيانًا أخرى، وهذا طبيعي في أي مسار بناء، لكن اختزال كل ذلك في صورةٍ سوداء ثابتة لا يعكس الواقع بقدر ما يعكس رغبةً في تثبيته.
هنا، لا يكون الحل بالصمت، ولا بالانجرار إلى نفس مستوى الخطاب، بل بخلق حالةٍ إعلامية موازية: منصاتٌ تلتزم المهنية فعلًا، تمارس النقد دون إسفاف، وتوازن بين كشف الخلل وإبراز الجهد. إعلامٌ يقف في وجه التضليل، لا بالشعارات، بل بالمصداقية، لأن الحقيقة البسيطة التي يغفلها كثيرون: الإعلام في زمن الثورة قد يشعل، لكنه في زمن البناء يجب أن يُضيء. وبين الإشعال والإضاءة… يتحدد مصير الحكاية.