مهنة الخياطة بين الاندثار والتصليح.. شيوخ الكار يرحلون والأسعار ترتفع

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية– دينا عبد:

مثلت مهنة الخياطة في الماضي ملاذاً للكثير من العائلات، فكانت مصدر رزق لهم، لكن مع تبدل الأوضاع الاقتصادية طرأت عليها عدة مشكلات، بدءاً من ارتفاع أسعار موادها الخام وتكاليف النقل، وانتهاء بأجور العمال، ما دفع شيوخ الكار إلى هجرها، وبقي بعضهم على الاكتفاء بتصليح الملابس.

تحول رغم الظروف

أبو تمام، الذي يعمل خياطاً منذ 25 عاماً، وصف حالته خلال حديثه لـ«الحرية» بأن مهنة الخياطة لم تعد رائجة كما كانت في السابق، فالاعتماد اليوم بات على تصليح الملابس لا خياطتها، فالأزمة الاقتصادية سرقت من المهنة عزها، فتحول معظم خياطيها إلى مصلحي ألبسة.
أما آمال، التي كانت تعمل في مهنة خياطة وتفصيل الملابس منذ 30 عاماً، فقالت لـ«الحرية» إن المهنة لم تعد مربحة على عكس التصليح الذي يحقق دخلاً يومياً، لأن الخياط يعيد تدوير القطعة فتبدو كالجديدة.

تراجع القدرة الشرائية

همام، شاب في مقتبل العمر ورث مهنة الخياطة عن والده، يتحدث قائلاً: لم يعد هناك إقبال على تفصيل الملابس نظراً لارتفاع أسعار المواد الخام من جهة، وتالياً لم يعد أمام الناس سوى خيار إصلاح الملابس، فالفقر ضرب بعمق ولم يعد بمقدور معظم العائلات شراء ملابس جديدة لأولادهم، موضحاً أن ارتفاع الدولار أدى إلى انهيار العملة، فنشطت مهنة التصليح وازداد الطلب عليها مؤخراً مع تراجع القدرة الشرائية، فبات تصليح الملابس سيد المشهد، وزادت حركة العمل بنسبة 60% لدى أغلب الخياطين.
وعلى الجانب الآخر، هناك من تخلى عن العمل في مهنة الخياطة إلى غير رجعة، كما فعل أبو اسكندر الذي يعتبر خياطاً وشيخ كار من «الزمن الجميل»، فقد تخلى عن مهنة الخياطة والتفصيل لأنها باتت غير مربحة «بحسب قوله» واعتمد على التصليح كمصدر رزق شبه يومي.

أسعار التصليح في السوق

وفي جولة لمراسلة «الحرية» في سوق الخياطين، رصدت بعض أسعار التصاليح، حيث وصل سعر تقصير البنطال إلى 100 ليرة جديدة «ما يعادل 10 آلاف ليرة سورية»، وتركيب سحاب أيضاً 100 ليرة جديدة، وكذلك ترقيع أو رتق قطعة معينة 150 ليرة جديدة (15 ألف ليرة سورية)، أما تصغير أو توسيع قطعة فمتوسط كلفتها 200-250 ليرة جديدة (20-25 ألف ليرة سورية).
في مشغل الخياطة الذي يملكه أبو وائل، الوضع لا يختلف، فالأزمة الاقتصادية أدت إلى تراجع المهنة، وبات الإقبال على تصليح الملابس هو الرائج.
ولفت صاحب المشغل خلال حديثه إلى أنهم ينفذون طلبات الزبائن فقط مثل الزي المدرسي، ومراييل العمال لشركات التنظيف، ولباس المشفى، والألبسة الرياضية، وكل ذلك حسب الطلب.
وتابع أبو وائل: قمنا بصرف العمال مؤقتاً لعدم توفر الملاءة المالية لدفع رواتبهم الشهرية، مشيراً إلى أنه عند الطلب نستدعيهم لإنجاز التفصيلات المطلوبة مقابل أجرهم.
أما أبو مازن، وهو تاجر أقمشة، بيّن خلال حديثه أنه كان يعمل في خياطة بدلات الأعراس والسهرات، لكنه تركها مؤخراً واتجه إلى التصاليح، لافتاً إلى أنه بدلاً من أن يمضي يوماً كاملاً في تفصيل فستان، فإنه يصلح أكثر من عشرين قطعة خلال يوم واحد.

إقبال ضعيف على شراء الأقمشة

صاحب محل أقمشة ذكر أن الإقبال على شراء الأقمشة في الوقت الحالي أصبح ضعيفاً جداً، ليس بسبب ارتفاع الأسعار فقط، ولكن نظراً لغلاء كلفة الخياطة، وهو ما أدى إلى ابتعاد الكثيرين عن تفصيل الملابس. فغالباً ما نسمع على سبيل المثال أن ملابس التفصيل مكلفة مادياً، وقد لا يخرج الموديل مثلما تريد الزبونة، ومن جهة أخرى، فإن الملابس الجاهزة أغرقت السوق وأصبحت ترضي جميع الأذواق. وأضاف: التجار ليس باستطاعتهم خفض سعر الأقمشة، فأغلبها يتم استيرادها بمبالغ كبيرة نظراً لارتفاع الدولار، وهنا يصعب على التاجر الخسارة.

من 2000 عضو إلى 100 في جمعية الخياطين

رئيس جمعية الخياطين توفيق الحاج بيّن أنه مع ارتفاع الأسعار وإغراق الأسواق بالملابس الجاهزة، بدأت مهنة الخياطة في الاندثار إلى أن تختفي تدريجياً.
وأضاف: من أهم المشكلات السلبية التي تواجه العاملين بمهنة الخياطة ارتفاع أسعار الأقمشة بسبب فاتورة التجار التي يطلبونها، وهذا أثر بشكل سلبي على نسبة الشراء، وبالتالي لم يعد أحد يرغب بتفصيل القماش لأن التكلفة اليوم أغلى من الملابس الجاهزة نفسها، بالإضافة إلى ضيق الوقت والتأخير في تسليم القطع أحياناً، وهذا ما اضطر الأهالي إلى شراء الملابس الجاهزة.
ولفت إلى أن تكاليف الإنتاج أصبحت سبباً في تدهور مهنة الخياطة، إضافة إلى أن تكاليف تفصيل الملابس في معامل الخياطة أصبحت لا توازي أسعار بيع تلك الملابس. فبعد أن كان عدد المنتسبين إلى جمعية الخياطين 2000 عضو، اليوم بالكاد يصل عدد المنتسبين إلى 100 عضو، فبدءاً من شراء الأقمشة ومستلزمات خياطتها وأجور العمال ومن ثم عرضها في الأسواق، تكون التكاليف عالية جداً، بحيث أن ما تحقق من أرباح لا يساوي جهود الخياطين، وبذلك تكون الخسائر هي الجهد الأكبر.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار