نبع عين الغمقا في صافيتا.. موقع طبيعي وآثار فينيقية تعود لمملكة أرواد

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – مها يوسف:

يتربع موقع عين الغمقا شمال مدينة صافيتا التاريخية، على امتداد جبال الساحل السوري الجنوبي، بوصفه واحداً من أبرز الشواهد الطبيعية والأثرية في المنطقة، بما يحمله من جمال بيئي وإرث حضاري يعود إلى مملكة أرواد الفينيقية. ويمتد الموقع في تضاريسه وينابيعه ومعابده الصخرية، حاملاً ذاكرة حضارات متعاقبة، تبدأ من الفينيقيين ولا تنتهي بالعهد العثماني عام 1918.

الموقع ضمن حوضة طبيعية غنّاء

أكد المؤرخ الأثري بسام القحط أن موقع عين الغمقا يقع ضمن غوطة طبيعية غنّاء تمتد على مساحة واسعة من الأراضي الغزيرة بالينابيع، ضمن ما يُعرف بـ«حوضة عين الغمقا»، التي تضم: عين الغمقا الشمالية، عين المغارة، نبع رأس مندو، وعيون سهل الزيري. وتمتد الحوضة من أسفل سفح برج بجمعاش المطل على كفرريخا شرقاً، وصولاً إلى تلة مزرعة رأس مندو الأثرية غرباً، ومن السفوح الجنوبية لسنديانة عين حفاض شمالاً، حتى أطراف السفوح الشمالية لمدينة صافيتا جنوباً.

جذور فينيقية عميق

أوضح القحط أنه بهدف تقوية مجرى مياه نهر الغمقا التاريخي القادم من حصن سليمان، قام الأرواديون الفينيقيون، سكان منطقة صافيتا القدماء، بنقر الصخور للوصول إلى المياه الجوفية في بحيرة الغمقا الجوفية، المحيطة بموقع معبد إله الآبار الفينيقي «روزنة الغمقا الأروادي». وأضاف أن هذا المعبد شكّل المركز التاريخي القديم لحوضة الغمقا بأكملها، وأن هذه الأعمال الهندسية نتج عنها سلسلة من الينابيع الصناعية القديمة، أهمها نبع الغمقا الحالي (فوار الغمقا) شمال مدينة صافيتا.

ولفت القحط إلى أنه على هذا النبع الغزير أُقيمت في العصور الرومانية والعربية والصليبية والعثمانية الطواحين المائية، ومعاصر زيت الزيتون والعنب، إضافة إلى دواليب لفّ الحرير الطبيعي.

معبد إله الآبار الفينيقي

أكد القحط أن معبد إله الآبار الفينيقي المعروف باسم «روزنة الغمقا» يُعد من أهم الآثار الظاهرة فوق سطح الأرض في موقع حوضة الغمقا. وأشار إلى أن المعبد منحوت من قبل شعوب البحر الأروادية عام 1200 قبل الميلاد، في صخرة ضخمة واحدة على شكل حرف U، وبعمق أربعة أمتار من سطح الأرض حتى أرضيته الصخرية. ونوّه بأن الأرواديين نَقَروا فتحة بئر ثلاثية الطبقات في أرضية المعبد، تؤدي عمودياً إلى بحيرة الغمقا الجوفية، حيث تبلغ المسافة بين فتحة البئر وسطح البحيرة الجوفية نحو 16 متراً.

طواحين مائية وطريق حضاري قديم

أوضح القحط أن ضمن حوضة عين الغمقا توجد عدة طواحين مائية قديمة، من أبرزها طاحونة الشيخ الأثرية، التي كانت وقفاً كنسياً مرتبطاً بمدينة صافيتا في الفترة الصليبية حتى عام 1700، ثم أصبحت وقفاً لمشايخ بيت الرمضان في قرية كرم مغيزل، ولا تزال قائمة حتى اليوم على الضفة الشمالية للنهر. كما يضم الموقع طاحونة الغمقا القديمة وطاحونة شهاب الموعي.

وأشار القحط إلى أن حوضة عين الغمقا اكتسبت أهميتها منذ العصور القديمة بسبب وقوعها على الطريق الروماني القديم الذي كان يصل البحر المتوسط بحوض نهر العاصي، مروراً بحصن سليمان وحماة وأفاميا وصولاً إلى القسطنطينية.

ازدهار اقتصادي في العهد العثماني

أوضح القحط أن المنطقة شهدت خلال العهد العثماني ازدهاراً اقتصادياً ملحوظاً في مجال صناعة الحرير الطبيعي، نتيجة الانتشار الكثيف لأشجار التوت الأبيض على امتداد النهر. وأشار إلى وثيقة عثمانية تعود لعام 1756، تثبت انعقاد مجلس شرعي في موقع عين الغمقا لتلزيم مال وإنتاج مقاطعة صافيتا، بحضور رؤساء قرى قضاء صافيتا القديم، في دلالة على أهمية الموقع الاقتصادية والإدارية آنذاك.

دعوة لتسجيله كحديقة وطنية

دعا القحط الجهات المعنية إلى تسجيل حوضة عين الغمقا بكامل مساحتها وعناصرها الطبيعية والمائية والأثرية، لتكون حديقة وطنية طبيعية وبيئية وأثرية متكاملة، مع تخديمها بمسارات سياحية مترابطة مع مدينة صافيتا التاريخية والقرى المجاورة.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار