ارافيند أديغا ورحلة تروي «النمر الأبيض» في عالمي العتمة والضوء

مدة القراءة 9 دقيقة/دقائق

الحرية – علي الرّاعي:
مُتمثلاً ليالي «ألف ليلةٍ وليلة»، أو على وقع خُطاها في الحكي والروي والسرد، يُتحفنا الروائي الهندي «أرافيند أديغا» بروايته (النمر البيض) الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب بترجمة حُسام الدين خضور، وخلالها يقدم لنا «الليالي الهندية» في أدق تفاصليها من أبعد قرية، وزاورب في الريف الهندي إلى «مولات» دلهي ومومباي بكل فخامتها وجنونها..

عالم من العتمة

هنا ثمة سارد من عالم العتمة، كما يطلق الراوي على نفسه، بعد أن قسًم القارة الهندية إلى عالمين: «عالم العتمة» الواسع جداً والمُتاح لأيٍّ كان اختراقه، و«عالم النور» الضيق الذي لا يستطيع اختراقه أحدٌ من عالم العتمة والأوحال سوى (السائقين والخدم)، هؤلاء الذين يقومون بخدمة أبناء هذا العالم المهووس بامتلاك الأرض وما عليها من حيوانات وبشر، والمنغمس بالاقتصاد الريعي، حيث يموت معظمهم في جريهم المتوحش في طرقات السياسة، السياسة التي هي غطاء لكل ارتكاباتهم..
وهذا ما يوضحه الراوي – السارد في إحدى رسائله لرئيس وزراء الصين: «أرجو يا صاحبُ السعادة أن تتفهم أن الهند بلدان في واحد: هند الضوء، وهند العتمة.. يجلب المحيط الضوء إلى بلدي، فكل مكان على خريطة الهند قرب المحيط غني، إنما النهر يحلب العتمة إلى الهند-النهر الأسود»، وأظن (أرافيند أديغا)، أراد أن يُكثف شواغل سرده بهذه المقولة التي مرت عابرة كما كثير من المقولات الأخرى، غير أنه هنا أراد أن يضع أصبعه على «جرح الهند» الهند المحكومة بالتقاليد واستثمار الدين لغايات الجشع وأغراض السياسة المتوحشة، فليس ذلك النهر الذي يصفه ب،«الأسود» سوى نهر الغانج الذي يُقدسه معظم الهنود.. وفي مثل هذه الأوطان، وحتى تصل إلى الحقيقة، عليك أن تأخذ أي شيء تسمعه، وتقلبه رأساً على عقب، وعندئذٍ ستمتلك الحقيقة عن ذلك الشيء..

عتمة الهند ونورها

من هنا سيكون المجال واسعاً أمام كائنٍ من عالم العتمة، الذي يعمل سائقاً لدى أحد أبناء طبقة النور، لأن يسرد بما يُشبه من يحمل كاميرا، ويقدم لنا سرده أو حكايته أشبه بمن ينقل المشاهد الواسعة مصورة في وصف لا تفوته أدق التفاصيل، وهو يكتشفُ عالمي الهند بعتمته ونوره، فهو الخبير بالعالم الأول كأحد أبنائه الذين غرقوا في وحوله حتى الأعناق، كما يوصّف بذات الخبرة العالم الثاني، وقد خبره عن قرب بألف عين وأنف وأذن، وبجميع حواسه ومشاعره التي سجلت كل حركة لنفس من أفراد هذا العالم الضليع بـ«المقاولة» بحيث يجعل عالم العتمة يكرر انتخابه على ذات الوعود التي لن تتحقق أبداً..

ليالي الهند

غير أنّ ميزة هذه الليالي، التي يسردها هذا الكائن المُتشظي لألف شلوٍ وشلو، والذي بقي طويلاً لا يعرف هو نفسه اسماً له، ذلك أنّ الجميع كانوا ينادونه ب(مونا-الولد) حتى أطلق عليه مُعلم في المدرسة، وقد وجد فيه ذكاء حاد ونباهة مُلفتة اسم (بلرام) ثم أضاف إليه نسب عائلته (حلواني) مع أنّ هذه العائلة لم تشتغل بصناعة الحلويات يوماً.. وبلرام لمن لا يعرف، كان رفيق (كريشنا)، لما لا، واسم المُعلم نفسه كرشنا، رغم أنهما لن يكونا رفيقين أبداً، فقد اضطره المُرابي لأن ينقطع عن الدراسة لتسديد قيمة المهر الذي استدانته العائلة استحقاقاً لتزويج ابنة عمه من فتى في القرية، تلك القرية الغارقة ليس في وحول الصرف الصحي، بل بوحول العادات والتقاليد، وهي التي منها انطلق المعلم بوذا نفسه..

النقد الحارق

على مثل هذا الأسلوب سيروي (بلرام) كل الحكايا الهندية، بأسلوبٍ يوغل في السخرية حتى دراجاتها البعيدة، مُبطناً إياها بالنقد الحارق الذي يتلطى خلف كل هذه السخرية التي تعتمدُ المُفارقة والمُقارنة بين عالم الهند، وعالم مُجاور له، هو الصين، أو عالم بعيد عنه بعض الشيء، أمريكا وبريطانيا.. أسلوب ساخر لن ينجو من سهامه أحد حتى الراوي نفسه، وكثيراً ما تناول شخصيته بهذا التهكم المر، الذي غالباً ما يرمي عكس مُراد السرد الظاهر..
فقصة تربية بلرام التي يرويها لرئيس وزراء الصين، هي قصة كيف يُصنع شخصٌ أبله، بعكس الأشخاص المُشكلون بشكلٍ كامل، بعد اثنتي عشرة سنة في المدرسة، وثلاث سنوات في الجامعة يرتدون بزات أنيقة، وينضمون إلى الشركات، ويأخذون أوامر من رجال آخرين لبقية حيواتهم، أما المقاولون – أمثاله – فيُصنعون من طينٍ نصف مشوي..
أقول «ليالي الهند» لأن الراوي أطلق على فصول الرواية هذا الاسم «الليالي» وبوبها بـ«الليلة الأولى، الليلة الثانية، الليلة الثالثة… الخ»، تماماً كما كانت تروي شهرزاد لقاتلها المؤجل أو المُحتمل شهريار، وتنجح في ترويضه في النهاية لأن يصير زوجاً حنوناً في «الليالي العربية»، غير أنّ بلرام – شهرزاد الهند لا يروي لشهريار، وإنما يبث رسائله الليلية لـ«جياوباو»، وهذا الأخير هو رئيس وزراء الصين، الذي تؤكد الأخبار أنه سيزور الهند قريباً، ويطلع على عوالمها.
فأراد أن يُعطيه دروساً مسبقة عن وطنه، أو قل أراد أن يُقدم له الهند على طبقٍ من رواية، فصار في كل ليلةٍ يرسلُ له رسالة، يسرد فيها الكثير من الحكايات، لاسيما في إبداع، وكأنه إبداعٌ هنديٌّ خالص، لم تتفوق عليها دولةٌ فيه، وهو إبداع اقتصادي بكل الأحوال، وهو «فن المُقاولة» الذي ينتهي إليه بلرام بعد قتله سيده «أشوك» من عالم الضوء، والاستحواذ على حقيبة المال التي كان سيده سيقدمها لأحد الوزراء لضمان نجاحه في انتخابات برلمان الهند..
غير أنّ المُرسل إليه الليالي الهندية، والذي لم نعرف له هيئة، بل تنتهي الرواية، ولم تتأكد زيارته للهند، وكأن هذه الليالي تقصد إنساناً آخر، أقرب بكثير من الجار الصيني، تماماً وكأنّ الرواي على إطلاع تام على المثل العربي “احكي مع الجارة لتفهم الكنة”، بمعنى خطابه كان موجهاً لشهريار هندي يُحدثه من النافذة..

على طبق من رواية

هذه السخرية في السرد – كما أسلفنا- يوزعها أرافيندا أديغا بالعدل على كل شخصياته، سواء كانوا من عالم الضوء، أو من عالم العتمة، وحتى عندما يُبرر أفعال الشخصيات وسلوكها، أيضاً يوزع هذه التبريرات بالعدل، حتى أنه يُعامل جلاديه بحب، وليس بمشاعر الضغينة والانتقام، وهو ما يشرحه في أحد منولوجاته، حيث لا يستطيع خادم أن يعرف ما دوافع قلبه: «هل نكره سادتنا وراء واجهة من حُب، أو نحبهم وراء واجهة من كراهية؟»، فالسيّد أشوك عاد من أمريكا بريئاً، لكن الحياة في دلهي أفسدته، ومن هنا كيف لسائقه بلرام أن يبقى بريئاً؟!!
وهو لا يسرد أو يتهكم لأجل ساديةٍ لديه، أو لأجل السرد وحسب، بل يضع مفاتيح الحلول لكل مآسي شعب الهند، ويرمي بين قدميه المفاتيح، غير أن العبرة كانت دائماً بمن يلتقط المفتاح، بل أن يتأكد حتى إن كان الباب مُقفلاً؟؟! ومن هنا نفهم مغزى ترتيده لعبارة: “كنتُ تبحث عن المفتاح منذ سنوات، لكن الباب كان مفتوحاً دائماً..”، ومن يبدأ حياته خادماً، سينتهي خادماً، والفرق بين هند وأخرى، هو الخيار، وكان جواب بوذا – ذات مرة- لمن سأله: من انت؟ ليُجيب: ” أنا مُجرد إنسان استيقظ في حين كان بيقتكم لاتزالُ نائمة..”
فلم يشهد التاريخ الإنساني قبل أن تُدين قلة قليلة جداً لكثرة كثيرة جداً.. حفنة من الرجال في هذا البلد دربت ال(99.9) بالمية الأقوياء والموهبين والأذكياء في كل المجالات للبقاء في عبودية أبدية، عبودية قوية إلى درجة أنه يُمكنك أن تضع مفتاح تحرر المرء في يديه، وهو سيرميه إليك مع لعنة.»

بطل الليالي

وكانّ بلرام كقدرٍ لشخصياته، يُحركها متى يشاء، ويقتل إذا ما لزم الأمر، لكن لمرةٍ واحدة، إلى أن يبقى أخيراً هو البطل الأوحد لروايته وساردها في كل ليالي العالمين: الضوء والعتمة بكل جوانيات شخصياته، الذين يوصلهم إلى خواتيمهم المحتومة.. ومن هنا  يغلب على الرواية غياب الحوار، فقليلاً ما نلحظ فيها سوى الشخصية الساردة، التي تتكفل بالكشف عن نفسيات الشخصيات، وعن دوافع وطباع هذه الشخصيات.. فكل ما كان يبحث عنه، كان فرصة لأن يكون إنساناً، ومن هنا كان قتل شخصٍ واحد يكفي، ألم يختصر فلسفته في الحياة بـ»دعوا الحيوانات تعيش مثل الحيوانات، ودعوا الناس تعيش مثل الناس.»

Leave a Comment
آخر الأخبار