الحرية ـ نهلة أبوتك:
في ظل التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية واضطراب سلاسل الإمداد، يقدّم الخبير الاقتصادي في مجال الطاقة الدكتور سامر الرحال لـ”الحرية” قراءة تحليلية لمشروع “ربط البحار الأربعة”، باعتباره أحد أكثر التصورات طموحاً لإعادة تشكيل خرائط تدفق الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.
حيث يقوم المشروع على فكرة إنشاء شبكة مترابطة من مسارات الطاقة والنقل تربط بين الخليج العربي، بحر قزوين، البحر المتوسط، والبحر الأسود، بما يتيح تدفقات بديلة للنفط والغاز بعيداً عن الممرات التقليدية الحساسة.
مؤكداً أن المشروع يتجاوز كونه ممر طاقة تقليدياً، ليشكل إعادة صياغة فعلية لموازين النفوذ الاقتصادي بين الشرق والغرب، مشيراً إلى أن جوهره يتمثل في تحويل الجغرافيا من مساحة عبور إلى أداة تأثير اقتصادي مباشر.
أهمية استراتيجية في عالم مضطرب
تأتي أهمية المشروع من واقع عالمي شديد الحساسية، إذ تمر نحو 20% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، فيما تعتمد أوروبا على الاستيراد لتأمين أكثر من نصف احتياجاتها من الطاقة، باستهلاك سنوي يقارب 400–450 مليار متر مكعب من الغاز.
وفي هذا الإطار، يوضح الرحال أن المشروع يتيح تقليص زمن نقل الطاقة بنسبة 30–50%، ويسهم في خفض التكاليف اللوجستية بنحو 20–40%، وتنويع مسارات الإمداد نحو أوروبا وهي عوامل قد تعيد التوازن إلى سوق الطاقة العالمية في حال تطبيق المشروع.
شبكة مسارات متعددة بدل خط واحد
تقوم فكرة المشروع، وفق الدكتور سامر الرحال، على منظومة متكاملة تشمل: المسار الخليجي – العراقي – السوري الذي يربط حقول النفط والغاز في الخليج بالموانئ السورية على البحر المتوسط عبر العراق، ما يختصر المسافة نحو أوروبا ويتيح نقل كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.
والمسار الثاني: بحر قزوين – تركيا – المتوسط يقوم بربط احتياطات آسيا الوسطى بأوروبا عبر تركيا، ويعزز دورها كممر رئيسي للطاقة.
أما المسار الثالث: فهو الربط مع البحر الأسود وأوروبا الشرقية ما يسمح بدمج الشبكة مع البنية التحتية الأوروبية بشكل مباشر.
أوروبا بين الحاجة والبحث عن البدائل
يشير الدكتور الرحال إلى أن تزايد اهتمام الاتحاد الأوروبي بمشاريع الطاقة البديلة جاء بعد تراجع الاعتماد على الغاز الروسي الذي كان يشكل نحو 40% من واردات القارة قبل أزمة أوكرانيا.
وفي هذا السياق، يوفر المشروع فرصاً استراتيجية لـتنويع مصادر الطاقة وتقليل المخاطر الجيوسياسية، وتعزيز استقرار أسعار الطاقة عالمياً.
سوريا في قلب التحول الجيو- اقتصادي
وبرز مشروع “البحار الأربعة” خلال القمة غير الرسمية للاتحاد الأوروبي في قبرص (نيسان 2026)، حيث طرح السيد الرئيس أحمد الشرع رؤية استراتيجية تقوم على تحويل سوريا إلى ممر آمن للطاقة والتجارة يربط بين الخليج العربي وآسيا الوسطى وأوروبا.
ويرى الدكتور سامر الرحال أن هذا الطرح يمثل تحولاً مهماً في الدور الاقتصادي والجغرافي لسوريا، من موقع هامشي إلى عقدة محتملة في شبكات الطاقة العالمية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي بين الشرق والغرب.
مشيراً إلى أن المشروع قد يحقق إيرادات بمليارات الدولارات سنوياً من رسوم العبور، واستثمارات تتراوح بين 50 و100مليار دولار، إضافة لخلق مئات آلاف فرص العمل في قطاعات النقل والطاقة والخدمات، كما يمكن أن يسهم في تنشيط البنية التحتية، وتسريع إعادة الإعمار ، وإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام الاقتصادي العالمي .
بين التنافس والتكامل مع الممرات العالمية
مشيراً إلى أن المشروع يدخل في سياق تنافس مع ممرات دولية كبرى، أبرزها ممر الهند ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا (IMEC)، إلا أنه يتميز بتركيزه على الطاقة إلى جانب التجارة، ما يفتح الباب أمام احتمالات التكامل بين هذه الممرات بدلاً من الصراع بينها.
تحديات التنفيذ
رغم الفرص الكبيرة، يحدد التحليل مجموعة تحديات أساسية أهمها الحاجة إلى استثمارات ضخمة، مع تعقيدات التوافق السياسي الإقليمي، ومتطلبات الاستقرار الأمني، وتفاوت البنية التحتية بين الدول المعنية، من ممر طاقة إلى أداة نفوذ، موضحاً أن “مشروع البحار الأربعة” يمثل محاولة لإعادة صياغة دور المنطقة في الاقتصاد العالمي، عبر تحويل مسارات الطاقة إلى أدوات تأثير جيوسياسي واقتصادي مباشر.
ونجاح المشروع قد يعيد توزيع مراكز الثقل الاقتصادي عالمياً، لافتاً إلى أن المبادرة التي طرحها السيد الرئيس أحمد الشرع في قمة قبرص تعكس انتقالاً من التفكير الجغرافي التقليدي إلى توظيف الجغرافيا كأداة نفوذ اقتصادي واستراتيجي.
يبقى مستقبل المشروع مرهوناً بقدرة الدول المعنية على تحويل هذا التصور إلى بنية تحتية فعلية قادرة على الصمود أمام التحديات السياسية والاقتصادية.