الحرية- باديا الونوس:
لا يزال موضوع الزيادات النوعية في الرواتب، التي أُقرّت تعليماتها التنفيذية، يثير جدلاً واسعاً في العديد من الجهات، ويتزامن ذلك مع تطبيقها على أرض الواقع. وتعكس هذه الزيادات تحديات عدة، أبرزها عدم تحقيق العدالة في توزيع الرواتب، وهو ما يؤثر بشكل مباشر في الحالة النفسية للموظف الذي يشعر بالغبن من قبل إدارته.
كما يبرز بشكل واضح غياب العدالة في سلم الرواتب، الأمر الذي يخلق فجوة كبيرة بين الموظف وزميله، وهذه الفجوة تعم مختلف القطاعات، مما يستدعي الوقوف عندها جهة الثغرات والإيجابيات.
من الواقع الوظيفي
وفي دردشة لصحيفة «الحرية» حول هذا الموضوع، عبّر محمد (موظف فئة أولى) في القطاع التعليمي عن عدم تحقيق الزيادات النوعية أيّ عدالة، إذ يقول: «الفارق بين راتبي وراتب مديري في العمل يبلغ عشرة ملايين ليرة، وبعد الزيادة النوعية سيصل راتب مديري المباشر إلى 13 مليون ليرة، بينما راتبي لم يزد على مليونين تقريباً، علماً أنني أحمل شهادة جامعية ولدي خبرة وظيفية طويلة».
غياب العدالة
وأضاف زميل له لم يعلن عن اسمه أن هذا الوضع يعكس غياب العدالة، لا سيما وأنه يفتح الباب مستقبلاً أمام مظاهر الفساد والرشوة لتسلم المناصب (باعتبار الرواتب كبيرة)، خاصة أنه من المتوقع أن تشمل الزيادات المقبلة رواتب المدراء أيضاً، مما سيزيد الفجوة ويتسبب بنوع من الرفض بين أغلبية الموظفين.
أما رجاء، موظفة أخرى، فقد صرّحت بأنها تشعر بالغبن بسبب الفوارق الوظيفية الكبيرة، متمنية إعادة النظر في هذه القرارات مع التركيز على منح المكافآت المالية والحوافز التشجيعية للمتميزين فقط.
إذاً، هذا غيض من فيض، ومؤشر على وجود إجحاف كبير في دراسة الرواتب بعد تطبيق الزيادات الأخيرة، خاصة بين شرائح الموظفين المختلفة، وهو موضوع يستدعي مراجعة شاملة لضمان العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وفي هذا الصدد، يتحدث الباحث الاقتصادي علي خلف في رؤية اقتصادية.
أصداء متباينة
يؤكد الباحث خلف أن المراسيم التشريعية الأخيرة الصادرة في آذار من عام 2026 أحدثت أصداءً متباينة، انعكست في حالة من الجدل الملموس بين موظفي القطاع العام في سوريا، لما حملته من تفاصيل مستجدة على الأوساط العمالية والمعيشية. ورغم أن هذه القرارات جاءت خطوةً إسعافيةً تهدف إلى إصلاح منظومة الأجور والمعاشات عبر منح زيادة عامة بنسبة 50% لكافة العاملين، إلا أن إقرار «زيادة نوعية مستهدفة» لسبع جهات عامة دون غيرها، طرح تساؤلات عمالية واسعة حول معايير هذا التمييز في ظل ظروف معيشية قاسية تعصف بالجميع دون استثناء.
غياب استقرار سعر الصرف
بلغة الاقتصاد، يتحدث الباحث الاقتصادي خلف عن الناحية السلبية لهذه الزيادات، مشيراً إلى أن العقبة الكبرى التي تواجه الزيادات النوعية هي غياب استقرار سعر الصرف في الأسواق، مما يجعل أي زيادة في الرواتب مهددة بالتبخر السريع تحت وطأة التضخم المتسارع وفوضى الأسعار التي يفرضها التجار، لتتحول الأرقام الجديدة إلى مبالغ وهمية لا تعكس تحسناً حقيقياً على أرض الواقع.
كما أن حصر الميزات الاستثنائية في قطاعات نوعية معينة يغذي حالة الاستياء السائدة، ويهدد بتعميق الفجوة المعيشية والطبقية بين العاملين في مؤسسات الدولة أنفسهم، فضلاً عن إهمال الفئات التي تعتمد على المهن الحرة أو القطاع الخاص غير المحمي، مما يضع الخزينة العامة تحت ضغط تأمين موارد حقيقية ومستدامة لتغطية هذه الكتلة النقدية دون اللجوء إلى إجراءات تزيد من تدهور العملة.
إيجابيات
وفي المقابل، يقول خلف: تتجلى الناحية الإيجابية في السعي نحو تقديم دعم مالي مباشر يساهم في ترميم القدرة الشرائية المتآكلة للمواطن ولو بالحدود الدنيا، مما يضخ سيولة نقدية في أيدي العائلات فتحرك الركود التجاري جزئياً، فضلاً عن ذلك، فإن الانتقال إلى منطق «الزيادات النوعية» لقطاعات استراتيجية يمثل محاولة جادة للحفاظ على ما تبقى من كفاءات علمية وإدارية وعقول ماهرة داخل ملاك الدولة، وحمايتها من الاضطرار إلى الهجرة أو ترك العمل، مما يسهم في منع انهيار الخدمات الأساسية والمفاصل الحيوية في المؤسسات العامة.