الصدق دعامة الحضارة.. من الأب إلى المعلم إلى التاجر

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية- د.رحيم هادي الشمخي:

الصدق دعامة من الدعامات الأساسية، التي يرتكز عليها المجتمع في تشييد حضارته وسيره في مقدمة قافلة التقدّم والازدهار، ويكفي في فضيلة الصدق أن الصديق مشتق منه، لأن الكذب صفة ذميمة قبيحة تهدم البيوت وتسبب الخراب للأسر والفساد والعار للمجتمع، وكم من بلية وقعت ومصيبة عمّت بترك الصدق، وكم من خيانة حصلت وجريمة ارتُكبت بسبب الكذب.
فإذا صدق الأب في تربية أولاده وتعليمهم العلم النافع الضروري والعلوم الكونية، التي تكون رائدة وسبباً لسعادة الناس وراحتهم ونفعهم، كانت ثمرة صدقه يانعة ناضجة، وشجرته التي سقاها بماء الصدق والإخلاص وارفة الظلال متينة الجذور، تؤتي أكلها فيما يرضيه ويرضي العقلاء، وإذا صدقت الزوجة مع زوجها وكانت مطيعة في كل ما ليس فيه معصية، واعتنت بمنزلها وتربية أولادها، وحفظت نفسها من المهلكات وحافظت على مال زوجها، ويسّرت له كل ما يسعده ويرضيه فيما ليس فيه معصية لله عزّ وجل، فهذه المرأة لا شكّ تنبت نباتاً حسناً، وتسهم في بناء المجتمع السليم الواعي، الذي يعيش حياة مستقرة آمنة مطمئنة، بعيدة عن الخراب والفساد وضياع الأخلاق وتدمير الأسر، فالأمّ مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيّب الأعراق.
وإذا صدق التاجر في تجارته، فلم يخن ولم يغشّ ولم ينقص في الكيل والوزن ولم يبع محرماً، وقام بإجراء العقود على الوجه الشرعي الذي يرضي الله، كان من الذين يساهمون في نشر السلام والثقة والمحبة بين أفراد المجتمع.
فالصدق إذاً مطلوب في جميع أعمال العباد ومعاملاتهم، ولاسيما عند المعلم الذي يعلّم في المدارس أو في المجالس، فصدقه مع التلاميذ ومع الناس أن يعلّم العلم الصحيح النافع، ولا يضع لهم السم الناقع في تشويه عقولهم، وقد صدق الشاعر الذي قال:
يا رجال العلم يا ملح البلد من يُصلح الملح إذا الملح فسد
وعلى هذا الأساس يمكن لنا أن نشجع برامج الأسرة والأخذ بيدها تربوياً واجتماعياً وثقافياً من أجل غرس مبادئ الصدق والتعامل مع الآخرين؛ بدءاً بالأخ مع أخيه والجار مع جاره، لأن التعامل المبني على الاحترام ينمّي في الفرد قابلية الصدق والصراحة، ما يقوي العلاقات الأسرية ثم العلاقات المجتمعية.
ولا ننسى دور المدرسة في صقل قابليات ومواهب التلاميذ والطلبة، وتخليصهم من الحقد والكراهية، وبث روح الصدق والصراحة، في نقلة نوعية لتخليص المجتمع من أدران الكذب والفساد، عندما يستخدم المعلم في الدراسة التربوية مقارنة نوعية بين الصدق والكذب، فالأول يبني المجتمع السليم، والثاني يهدم المجتمع ويحيله إلى ركام.
وأخيراً، فإن الحضارات التي نهضت اليوم من كبواتها كان لعامل الصدق والأمانة والتضحية والبناء الدور الأول والأهم في صمودها وبقائها، فالإنسان الصادق هو الذي يرسم صورة الحياة ويوطّد علاقات المجتمعات نحو الرسوخ والبقاء.

* أكاديمي وكاتب عراقي

Leave a Comment
آخر الأخبار