الحربة ـ هناء غانم :
يبرز الميزان التجاري كأحد أهم المقاييس الكلية، في قلب المؤشرات الاقتصادية التي تعكس صحة الدول، فهو ببساطة يعكس العلاقة بين ما تصدره الدولة إلى العالم وما تستورده منه، وعند تساوي الطرفين يتحقق التوازن، بينما يشير تفوق المستوردات إلى عجز تجاري، في حين يُعد فائض الصادرات علامة إيجابية تعكس قوة الاقتصاد وقدرته التنافسية.
بين العجز والفائض
الخبير الاقتصادي د. عامر خربوطلي أكد لـ”الحرية” أن أهمية الميزان التجاري لا تقتصر على الأرقام المجردة، بل تمتد آثارها إلى عمق الحياة الاقتصادية اليومية، فعندما تحقق الدولة فائضاً في صادراتها، يتدفق إليها القطع الأجنبي، ما يساهم في استقرار سعر الصرف وتحسين القوة الشرائية، وبالتالي انخفاض أسعار السلع.
أما في حالة العجز، فإن الطلب على العملات الأجنبية يرتفع، ما يضغط على العملة المحلية ويدفع الأسعار نحو الارتفاع، فينعكس ذلك مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.

ميزان المدفوعات
ويرى خربوطلي أنه لا يمكن النظر إلى الميزان التجاري بمعزل عن ميزان المدفوعات، الذي يمثل السجل الكامل للعلاقات الاقتصادية بين الدولة والعالم.، ويتكون هذا الميزان من ثلاثة محاور رئيسية:
الحساب الجاري: يشمل الميزان التجاري للسلع، وميزان الخدمات كالسياحة والنقل، إضافة إلى الدخل من الاستثمارات وتحويلات العاملين في الخارج، فضلاً عن التحويلات الأحادية مثل المساعدات.
الحساب الرأسمالي: يرصد انتقال الأصول غير المادية مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية، إلى جانب بعض أشكال تملك الأصول عبر الحدود.
الحساب المالي: يسجل حركة الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما في ذلك الاستثمار المباشر، والاستثمارات في الأسهم والسندات، إضافة إلى احتياطات الدولة من العملات والذهب.
عامل ضغط رئيسي
في الحالة السورية الراهنة، يبرز العجز في الميزان التجاري كأحد الأسباب الجوهرية لارتفاع أسعار الصرف، وهنا يرى د. خربوطلي أن الصادرات لا تغطي سوى نحو 20% من المستوردات، وفق آخر إحصائيات غرفة تجارة دمشق، ما يعني فجوة كبيرة تمول بالقطع الأجنبي، ومع اتساع قائمة المستوردات لتشمل مختلف السلع، بما فيها غير الأساسية، يتزايد الضغط على الليرة السورية، خاصة في ظل طلب مرتفع ومستمر على العملات الأجنبية.
بين الحاجة والاستنزاف: معضلة الاستيراد
لا يمكن إنكار أن زيادة الاستيراد كانت نتيجة طبيعية لسنوات من القيود والتراجع الإنتاجي، إلا أن استمرارها دون ضوابط، خصوصاً في السلع الكمالية، يؤدي إلى استنزاف الموارد من القطع الأجنبي ويعمّق العجز.
في المقابل، فإن تعزيز الإنتاج المحلي القادر على المنافسة يمكن أن يشكل صمام أمان، من خلال تقليل الاعتماد على الخارج وزيادة الصادرات.
“الدولار الإيجابي” الذي يصنع الفارق
وتشير البيانات -حسب د. خربوطلي- إلى تحسن ملحوظ في الصادرات السورية خلال عام 2025 بنسبة 40% مقارنة بالعام السابق، وهي خطوة إيجابية، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في النمو وحده، بل في قدرة هذه الصادرات على موازنة كفة المستوردات، فالصادرات تمثل ما يمكن تسميته بـ”الدولار الإيجابي”، بينما تمثل المستوردات “الدولار السلبي”، والتوازن بينهما هو ما يحدد الاتجاه الحقيقي للعملة.
طريق طويل نحو التعافي
وبالحديث عن التحديات يشير خربوطلي إلى أنه رغم أهمية زيادة الصادرات، إلا أن تحقيق تحول جذري يتطلب معالجة تحديات أعمق، تتمثل بتحسين سلاسل الإمداد، و توفير الطاقة ومستلزمات الإنتاج، إضافة الى تعزيز الكفاءة الإنتاجية، والاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير.
وهذه العوامل تحتاج إلى وقت واستثمارات وسياسات متكاملة حتى تؤتي ثمارها.
العامل غير المرئي
إلى جانب المؤشرات المادية، يبقى عامل الثقة من أهم الركائز التي تدعم الاقتصاد، فثقة المستثمرين والمواطنين بمستقبل الاقتصاد تلعب دوراً محورياً في استقرار العملة وتحفيز النشاط الاقتصادي، إلى جانب دور الاستثمارات والتحويلات المالية.
وخلص خربوطلي إلى أن الميزان التجاري يبقى مرآة تعكس واقع الاقتصاد، لكنه أيضاً أداة توجيه نحو السياسات الصحيحة، وفي الحالة السورية، فإن تقليص العجز وتعزيز الصادرات ليس مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية لاستعادة التوازن النقدي وتحسين مستوى المعيشة.