بين السياسة والاقتصاد.. ماذا تعني زيارة الشرع للخليج؟

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية ـ باسمة اسماعيل:

ترسم زيارة السيد الرئيس أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية، ملامح مرحلة جديدة في مسار الانفتاح الاقتصادي السوري، حيث تتقاطع التحولات الإقليمية مع فرص إعادة التموضع الاستراتيجي، لتمنح دمشق نافذة عملية لإعادة تفعيل شراكاتها العربية، وتحويل الزخم السياسي إلى مسارات تنموية قابلة للتنفيذ، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة في مجالات الطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار.

وفي حديثه لـ«الحرية»، بيّن أستاذ العلاقات الدولية والتحليل الجيوسياسي في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور شادي شهيله: أن الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الشرع إلى السعودية أمس، ولقاءه مع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بحضور مسؤولين من كلا البلدين، تشكل محطة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية في سياق إعادة تموضع سورية إقليمياً، وتعزيز شبكة علاقاتها العربية الفاعلة.

وأضاف: تأتي هذه الزيارة ضمن جولة خليجية أوسع، بما يؤكد وجود حراك دبلوماسي سوري نشط، يستهدف بناء شراكات استراتيجية جديدة وتوسيع مساحات التعاون العربي المشترك.

مؤشرات الثقة والتحول في العلاقات

وتابع الدكتور شهيله: سياسياً، تعكس هذه الزيارة مستوى متقدماً من الثقة المتبادلة بين دمشق والرياض، وتؤشر إلى انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة إعادة التواصل إلى مرحلة التنسيق المؤسسي وصناعة المبادرات، فالمملكة العربية السعودية تمثل ثقلاً عربياً وإسلامياً ودولياً، وأي تقارب سوري سعودي منظم ينعكس مباشرة على موقع سوريا في المعادلات الإقليمية، سواء في ملفات الأمن الإقليمي، أو التسويات السياسية، أو إعادة التوازن العربي في المنطقة.

ولفت إلى أن الزيارة تحمل دلالة استراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي، إذ تشير إلى تنامي القناعة العربية بأن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المشرق العربي والخليج، وان معالجة الأزمات الإقليمية تتطلب إشراك دمشق كفاعل رئيس لا كملف هامشي، وهذا التحول يعزز هامش الحركة الدبلوماسية السورية، ويفتح قنوات أوسع مع العواصم العربية والدولية.

قراءة جيوسياسية للتحولات الإقليمية

ومن منظور جيوسياسي، يرى الدكتور شهيله: إن هذه الزيارة تأتي في لحظة تشهد إعادة تشكيل لتوازنات الشرق الأوسط، حيث تتجه القوى الإقليمية الكبرى إلى تبني مقاربات أكثر براغماتية، تقوم على خفض النزاعات وإدارة التنافس عبر الحوار، وتعظيم المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.

وأشار إلى أن سوريا تستعيد تدريجياً موقعها الجغرافي والسياسي، كحلقة وصل مركزية بين المشرق العربي وشرق المتوسط والعمق الآسيوي.

البعد الاقتصادي: من إدارة الأزمة إلى التعافي

وأوضح الدكتور شهيله أن زيادة الشرع إلى السعودية، تكتسب أهمية استثنائية من الزاوية الاقتصادية، لأن سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى دعم سياسي، بل إلى شراكات تنموية قادرة على نقل الاقتصاد من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء.

وبيّن أن الاقتصاد السوري يواجه تحديات هيكلية واضحة، تتمثل في تراجع الناتج المحلي، ضعف الاستثمار، تآكل البنية التحتية، اختلال سوق العمل، تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع كلفة التمويل والإنتاج.

محاور التعاون الاقتصادي المحتملة

ويرى الدكتور شهيله أن أي انفتاح اقتصادي مع المملكة العربية السعودية، إذا جرى توظيفه ضمن رؤية استراتيجية لا ضمن مقاربات ظرفية، يمكن أن يشكل رافعة حقيقية عبر عدة مسارات:

ـ في ملف الاستثمار: تمتلك السعودية صناديق سيادية وشركات كبرى ذات خبرة في قطاعات الطاقة، العقارات، اللوجستيات، الاتصالات، الزراعة، والسياحة، دخول هذه الاستثمارات إلى السوق السورية يمكن أن يخلق أثراً اقتصادياً مضاعفاً عبر تشغيل اليد العاملة، تنشيط الطلب المحلي، وتحريك سلاسل التوريد الداخلية. الاقتصاد السوري بحاجة إلى استثمارات إنتاجية طويلة الأجل، لا مجرد تدفقات مالية قصيرة الأمد.

ـ في ملف البنية التحتية: تحتاج سوريا إلى إعادة تأهيل شبكات (الكهرباء، المرافئ، المناطق الصناعية، والنقل والمياه) هذه القطاعات هي الشرط الأول لأي نهوض اقتصادي، فلا يمكن جذب مستثمرين في بيئة تعاني من انقطاعات طاقة مرتفعة وكلفة لوجستية عالية، لذلك قد تكون الشراكة السورية السعودية مؤثرة، إذا اتجهت إلى مشاريع  البنية التحتية ذات الأولوية.

ـ في التجارة الخارجية: فتح الباب أمام إعادة دمج سوريا تدريجياً في الأسواق العربية، فزيادة الصادرات السورية الزراعية والغذائية والنسيجية إلى الخليج، ستوفر قطعاً أجنبياً وتدعم المنتج المحلي، كما إن تطوير الممرات التجارية وسلاسل النقل ستخفض كلفة التجارة، ويرفع تنافسية السلع السورية.

في سوق العمل: الاقتصاد السوري بحاجة ماسة إلى خلق وظائف منتجة، لا وظائف ريعية أو مؤقتة، أي مشروع استثماري سعودي في الصناعة، الزراعة، الخدمات الحديثة، يساهم في امتصاص البطالة ويحد من هجرة الكفاءات خاصة الشباب.

ـ في التمويل والاستقرار النقدي: فإن تحسن العلاقات الاقتصادية الخارجية، ينعكس إيجاباً على سعر الصرف والثقة بالاقتصاد، إذا ترافق مع زيادة التصدير والاستثمار والتحويلات، وإدارة نقدية ومالية منضبطة داخلياً.

سوريا كممر اقتصادي استراتيجي

وأشار الدكتور شهيله إلى بعد استراتيجي مهم قائلاً: إن أحد أهم الأبعاد الاقتصادية غير المعلنة للزيارة، يتمثل في موقع سوريا المحتمل كممر اقتصادي بديل ضمن إعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة والنقل في المنطقة، ولا سيما في ظل التوترات الحادة الناتجة عن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وما تفرضه من مخاطر على المسارات التقليدية.

إن أي صدام واسع بين إيران والولايات المتحدة، أو حتى استمرار حالة الردع المتبادل والتصعيد، يضع ممرات حيوية مثل الخليج العربي، مضيق هرمز، وبعض شبكات النقل المرتبطة به تحت درجة عالية من عدم اليقين، والأسواق الدولية، بطبيعتها، تبحث دائماً عن البدائل الأقل مخاطرة والأكثر استقراراً، هنا تبرز سوريا، إذا استقرت سياسياً وأمنياً، كخيار جغرافي شديد الأهمية.

وتابع الدكتور شهيله: سوريا تمتلك موقعاً استراتيجياً فريداً يربط الخليج العربي والمشرق بتركيا وأوروبا وشرق المتوسط، وهذا يمنحها قابلية للتحول إلى عقدة لوجستية إقليمية تشمل النقل البري، السكك الحديدية، خطوط الطاقة، المناطق الحرة، والمرافئ البحرية، بمعنى آخر، يمكن لسوريا أن تصبح جزءاً من ممر تجاري بديل يخفف الاعتماد على المسارات المعرضة للتوتر.

مكاسب كبرى

ونوه الدكتور شهيله بأنه من الناحية الاقتصادية، هذا التحول قد يحقق لسوريا خمسة مكاسب كبرى:

  1.  إيرادات العبور والترانزيت، وهي مصدر دخل سيادي مهم من الرسوم والخدمات اللوجستية.
  2. جذب استثمارات ضخمة في البنية التحتية: طرق دولية، سكك حديد، مرافئ، مستودعات، مناطق صناعية وخدمات شحن.
  3. خلق فرص عمل واسعة في قطاعات النقل، الخدمات، التأمين، التجارة، والصيانة.
  4. رفع القيمة الجيو اقتصادية لسورية، بحيث تصبح دولة عبور لا يمكن تجاوزها في التجارة الإقليمية.
  5. تحفيز التصنيع المحلي عبر نشوء مناطق إنتاج مرتبطة بالممرات التجارية.

ومن هنا يمكن فهم البعد الاقتصادي للانفتاح السوري السعودي، فالمملكة تنظر اليوم إلى تنويع الممرات التجارية، وربط مشاريعها الكبرى مثل رؤية 2030 بمسارات أكثر أمناً ومرونة، وإذا توفرت الإرادة السياسية، يمكن أن تكون سوريا جزءاً من هذا التصور عبر محور يمتد من الخليج إلى الأردن، فسوريا ثم المتوسط وتركيا وأوروبا.

نافذة واقعية للتعافي

وبيّن شهيله أن زيارة الرئيس إلى السعودية لا ترتبط فقط بالدعم السياسي أو الاستثماري المباشر، بل قد تكون جزءاً من نقاش أوسع حول إعادة رسم خرائط التجارة في الشرق الأوسط، وفي ظل تصاعد المخاطر على بعض المسارات التقليدية، تمتلك سوريا فرصة تاريخية للتحول من ساحة صراع إلى ممر اقتصادي استراتيجي يربط الخليج بالمتوسط

وختم الدكتور شهيله حديثه قائلاً: إن زيارة الشرع إلى السعودية ليست زيارة بروتوكولية، بل تحمل مضموناً استراتيجياً قد يؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات السورية – العربية، ويمنح الاقتصاد السوري نافذة واقعية للتعافي، شرط أن يُستثمر الزخم السياسي بسرعة وكفاءة في قرارات اقتصادية ملموسة يشعر بها المواطن السوري.

Leave a Comment
آخر الأخبار