الحرية – عثمان الخلف:
بينما تتصارع القوى العظمى على إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، تعود سوريا لتطرق أبواب التاريخ من جديد، فبعد عقود من الصراع والعزلة، تتحول موانئ اللاذقية وطرطوس على البحر المتوسط إلى محط أنظار عمالقة الاقتصاد الدولي، في مشهد قد يعيد إحياء دور البلاد كحلقة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب، كما كان الحال على «طريق الحرير» القديم، لتجد سوريا نفسها فجأةً في قلب هذا التنافس الجيواقتصادي المحتدم، فالدولة التي عاشت أكثر من عقد تحت وطأة الحرب والحصار والعقوبات، واليوم تستيقظ على مشهد مغاير: ملايين الدولارات تتدفق نحو موانئها، وعواصم القرار تتسابق للوصول إلى شواطئها المتوسطية، فيما تعيد خرائط الجيواقتصاد رسم مكانتها بالحبر الذهبي كحلقة وصل لا غنى عنها، فكيف تحولت سوريا من عبء استراتيجي إلى فرصة تاريخية في لعبة الممرات الاقتصادية الدولية؟ وما هي التحديات الجوهرية التي تقف بين الطموح والإنجاز؟
سوريا.. قلب المعادلات
في أيلول/ سبتمبر 2023، وعلى هامش قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، أعلن قادة العالم عن مشروع «الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبي» (IMEC)، بمشاركة ثماني حكومات: الهند، الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، والاتحاد الأوروبي، لكن حرب غزة التي اندلعت بعد أسابيع قليلة جمدت المشروع، وفق ما يرى الخبير الاقتصادي مازن الشاهين في حديثه لـ«الحرية»، وهنا برزت سوريا كبديل استراتيجي، بفضل موقعها على المتوسط وشبكة طرقها الدولية التي تربط الخليج بأوروبا عبر تركيا، ومع سقوط النظام البائد وانفتاح دمشق دولياً، تحولت سوريا إلى الحلقة المفقودة في إعادة إحياء الممر.
البديل السوري
وأكد الشاهين أنه في عالم تتغير فيه موازين الاقتصاد بسرعة، لم تعد الجغرافيا مجرد عامل ثابت، بل تحولت إلى فرصة استراتيجية، ومع إطلاق مشروع الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي (IMEC)، عاد السؤال القديم الجديد: هل يمكن لسوريا أن تستعيد دورها التاريخي كحلقة وصل بين الشرق والغرب؟
ويشير الشاهين إلى أن الدور السوري لا يقتصر على الواجهة البحرية وحدها، فسوريا تمثل العمق البري الحتمي لأي ممر يطمح إلى ربط الخليج العربي بالبحر المتوسط وأوروبا، فهذا المسار البري – البحري يمكن أن ينقل البضائع من الرياض إلى اللاذقية خلال ساعات، ومنها إلى أوروبا عبر المتوسط أو عبر تركيا.
ويكمن المشروع الأكثر طموحاً في إنشاء خط سكة حديد سريع يمتد من الحدود السعودية عبر الأراضي السورية حتى موانئ المتوسط، وهو ما يُعرف بـ«قطار الخليج – المتوسط السريع»، وهذا الخط ليس مجرد وسيلة نقل، بل شريان بري يعيد صياغة خرائط التجارة الإقليمية، وسيكسر الاعتماد على الممرات البحرية المارة بمضيق هرمز، ما يمنح المصدرين الخليجيين بديلاً استراتيجياً لأول مرة.