الحرية – لبنى شاكر:
يبتعد علي نفنوف بقارئه عن إطلاق التوصيفات والأحكام نحو أحاديث وتساؤلات، تتكئ على وقائع ومجريات عايشها كغيره من السوريين، لكنه يختار مواجهتها مرة ومواربتها مرات، يسائلها أحياناً ويعاتبها أحياناً أخرى، غير أنه لا يتوقف أبداً عن قول ما لديه، مؤمناً بأن للكتابة صدى سيُسمع مهما طال الانتظار.
في هذا اللقاء مع صحيفة «الحرية»، نحاور علي نفنوف ونسأله عن تجربته الشعرية الثانية «قميص على قصب الخليج»، وعما وراء البوح والسرد، وعن الغاية من المحاورة والصبر والترقب في قصائده، دون أن يغيب عنا مشواره الغني كصحفي ومصور ورسام.
النضج الشعري بالنسبة لي هو أن تتحول التجربة من حادثة شخصية إلى سؤال إنساني
إلى التفاصيل:
«قميص على قصب الخليج» هي المجموعة الشعرية الثانية لك بعد «امرأة من خريفها تزهر».. هل ترى أن الكتابة الشعرية تنضج فعلاً أم أن الصدق فيها لا يخضع للتطور؟
أعتقد أن الصدق في الشعر لا يتطور بقدر ما يتعرى، هو موجود منذ المحاولة الأولى، لكنه يكون محاطاً بالكثير من الرغبة في إثبات الذات، والكثير من الانفعال، وربما شيء من الزينة التي يضعها الشاعر على جراحه، مع الزمن لا يصبح الشاعر أكثر صدقاً، بل أقل قدرة على الكذب.
في تجربتي الشخصية، أشعر أن الفرق بين الكتاب الأول و«قميص على قصب الخليج» ليس فرقاً في مستوى الألم أو الحب أو الغضب، بل في طريقة النظر إليها، في البدايات كنت أكتب الجرح وهو ينزف، أما الآن فأحاول أن أكتب ما بعد الجرح وما يتركه أيضاً.
هذا الديوان كُتب من منطقة مختلفة، لم أعد مشغولاً كثيراً بوصف ما حدث، ربما أكتب ما حدث داخل الإنسان، لذلك نجد الحرب حاضرة في النصوص، لكنها ليست حرب الجبهات والرصاص فقط، بل حرب الذاكرة وحرب الهواجس وحرب النجاة نفسها.
النضج الشعري بالنسبة لي هو أن تتحول التجربة من حادثة شخصية إلى سؤال إنساني، أن لا أكتب ألمي وحدي، بل الألم الذي يمكن للقارئ أن يجد نفسه فيه، وحين ينجح النص في أن يجعل شخصاً لا يعرفك يرى شيئاً من نفسه في كلماتك، أظن أن الشعر يكون قد اقترب من نضجه.
«سيرة الظل»، «لاهوت الجسد» وغيرها، عناوين تأتي تحتها مجموعة من القصائد، نادراً ما نرى هذا التبويب في الدواوين الشعرية.. هل هي محاولة لخلق توليفة بصرية وحركية في الكتاب أم أن كلاً منها محطة مستقلة فعلاً؟
منذ البداية لم أكن أريد أن يكون الديوان مجرد مجموعة قصائد موضوعة جنباً إلى جنب. كنت أبحث عن شكل أقرب إلى الرحلة الداخلية هناك خيط خفي يربط النصوص كلها، لكن هذا الخيط يمر بمحطات مختلفة، ولكل محطة أسئلتها وهواجسها ولغتها الخاصة.
«سيرة الظل» مثلاً ليست سيرة شخص، بل سيرة الأثر الذي تتركه الحياة فينا، نحن لا نحمل الأحداث كما هي، بل نحمل ظلالها، الحرب تتحول إلى ظل، والمنفى يتحول إلى ظل، والبيت الذي فقدناه يتحول إلى ظل، وحتى الأشخاص الذين أحببناهم يبقون فينا على هيئة ظلال أكثر مما يبقون على هيئة صور واضحة.
أما «لاهوت الجسد» فهو محاولة للنظر إلى الجسد بعيداً عن اختزاله البيولوجي الجسد في تلك النصوص ليس مادة فقط، قد أراه ذاكرة ورغبة ووسيلة لفهم العالم لذلك نجد المرأة في الديوان ليست مجرد موضوع للحب، إنما هي معلمة للوجود، ومرآة للمعنى، وأحياناً هي سؤال فلسفي أكثر منها شخصية.
وفي «ميتافيزيقيا السؤال» يدخل النص إلى منطقة أكثر وعورة، حيث تتراجع الإجابات وتتقدم الأسئلة هناك يصبح الشاعر أقل يقيناً وأكثر إنصاتاً لذلك أستطيع القول إن هذه التبويبات ليست فصولاً بالمعنى الطباعي، هي نوع من الوعي وربما لو حذفناها لفقد الديوان جزءاً من معماره الداخلي.
في قصيدة «صورتي» انتقدت بقسوة كيف يتحول دم الضحية إلى «مهرجان ألوان» ولقطة يبحث الناس عن زاويتها الأجمل للعرض.. هل اختفى الحد الفاصل بين توثيق الألم والمتاجرة به بصرياً، أمام هوس تصوير كل شيء؟
للأسف أصبح هذا الحد أكثر ضبابية من أي وقت مضى نحن نعيش عصراً أصبحت فيه الصورة أسرع من التأمل، وأحياناً أسرع من الضمير نفسه هناك فرق كبير بين أن تحمل الكاميرا لتشهد، وأن تحملها لتستهلك المأساة.
كمصور فوتوغرافي قبل أن أكون شاعراً، أعرف قيمة الصورة، وأعرف قدرتها على فضح الظلم وحفظ الذاكرة لكنني أعرف أيضاً أنها قد تتحول إلى سلعة في لحظة ما يصبح الجريح مادة بصرية، ويصبح الموت حدثاً قابلاً للمشاركة والإعجاب والتداول.
قصيدة «صورتي» ولدت من هذا القلق تحديداً، من شعوري بأن الإنسان المعاصر بات أحياناً أقرب إلى المتفرج منه إلى الشاهد يتوقف أمام الفاجعة ليلتقط صورة، لكنه لا يتوقف طويلاً ليسأل نفسه: ماذا أفعل تجاه هذه الفاجعة؟
حين كتبت: «ما أروع أن يسقط رأسك بهذا الإتقان»، كنت أمارس سخرية سوداء من عالم بات يبحث عن جماليات المشهد أكثر من جوهره الإنساني.
في القصيدة ذاتها تقول «رأسي منقسم كقلب البلاد»، كيف تقرأ خطاب الكراهية المتفشي؟
أعتقد أن أخطر ما يفعله خطاب الكراهية، يبدأ بتجريد الإنسان من إنسانيته قبل أن تُطلق رصاصة، يجب أولاً أن تقنع نفسك أن الذي أمامك أقل استحقاقاً للحياة منك هنا تبدأ الكارثة.
ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلاف سياسي أو فكري، الاختلاف صحي وطبيعي المشكلة أن الكراهية تحول الاختلاف إلى عداوة وجودية، تجعل الآخر تهديداً لا شريكاً في العالم.
حين قلت: «رأسي منقسم كقلب البلاد»، لم أكن أتحدث عن انقسام جغرافي أو سياسي فقط، بل عن انقسام داخلي أيضاً عن ذلك الشرخ الذي يصيب الإنسان حين يصبح مضطراً إلى الاختيار بين هوياته، أو بين ذاكرته وواقعه، أو بين ما يؤمن به وما يُفرض عليه الكراهية في جوهرها فشل في الخيال، فشل في أن نتخيل أنفسنا في مكان الآخر وحين يموت الخيال تموت الرحمة بعده مباشرة.
في «قميص الغريب» و«ظل الغريب»، شيء من العتب، وشيء أيضاً من التعاطي بهدوء تجاه فواجع الأعوام الماضية، وكأنك مقاتل ينظر إلى المعركة من بعيد.. هل هذه محاولة لكتابة أثر الحرب المتطاول؟
نعم، لأنني مقتنع بأن الحرب الحقيقية لا تنتهي حين تتوقف البنادق الحرب تستمر داخل اللغة، وداخل الذاكرة، وداخل الأحلام أيضاً.
في «قميص الغريب» لم أكن أكتب عن المعركة، كتبت عن الإنسان الذي خرج منها الإنسان الذي نجا جسدياً لكنه ما زال يحمل الحرب في داخله.
كلما تقدمت في العمر اكتشفت أن الأسئلة العميقة أكثر أمانة من الأجوبة الجاهزة
هناك عبارة في النص أعتبرها مفتاحاً للقصيدة كلها: «الحرب ما زالت ترتدي مقاسي» الحرب هنا لم تعد حدثاً خارجياً، بل صارت جزءاً من تكوين الذات شيئاً يشبه الظل الذي يرافقك حتى في أكثر الأيام إشراقاً.
لهذا يبدو الصوت هادئاً أحياناً، ليس لأن الألم أقل، بل لأن بعض الآلام تبلغ درجة من العمق تجعل الصراخ عاجزاً عن التعبير عنها يصبح التأمل أكثر صدقاً من الانفعال.
الغريب في الديوان ليس منفياً من مكان فقط، بل منفي أحياناً من نسخته القديمة يحاول أن يتعرف إلى نفسه من جديد بعد كل ما حدث وهذا في رأيي أحد أكثر آثار الحرب قسوة: أنها لا تسرق بيوتنا وشوارعنا وأعمارنا فقط، إنها تسرق أيضاً التعريفات القديمة للإنسان.
في «ميتافيزيقيا السؤال»، تبدأ تساؤلاتك برغبة الحصول على إجابة، لكنها سرعان ما تتشعب في جماليات البحث عما هو أبعد من مجرد الفهم.. هل توافق على أن الشعر هنا يعود إلى جذره المتعالي على البساطة من حوله؟
ربما لأنني لا أثق كثيراً بالإجابات النهائية كلما تقدمت في العمر اكتشفت أن الأسئلة العميقة أكثر أمانة من الأجوبة الجاهزة.
في قسم «ميتافيزيقيا السؤال» كنت أحاول الاقتراب من المساحات التي يتردد الإنسان عادة في دخولها: الموت، الوجود، الله، الزمن، المصير، الرغبة، الخوف ليس بهدف إصدار أحكام أو بناء يقين جديد، ربما بهدف الإصغاء إلى أعماقنا.
الشعر بالنسبة لي لا يشرح العالم، هو يكشف تعقيده لا يقدم الحقيقة مكتملة، قد يضيء زاوية منها ثم يترك للقارئ حرية المغامرة.
لهذا أحب فكرة السؤال، السؤال كائن حي، أما الجواب فكثيراً ما يتحول إلى حجر.
ربما لهذا تتكرر في الديوان أسئلة مثل: من أنا؟ من أنت؟ ما الوطن؟ ما الوجود؟ لأنني أؤمن أن الإنسان لا يُعرف بما يعرفه فقط، بل بما يواصل البحث عنه.
إلى جانب كتابة الشعر، تجتهد كمصور ورسام وصحفي أيضاً.. هل يمكن للقصيدة أن تختزل هذا كله؟ هل يصح وصفها بالمصب حيث تلتقي كل الهواجس؟
أعتقد أن القصيدة هي المكان الوحيد الذي أستطيع أن أجمع فيه كل هذه الذوات دون أن تتصارع.
المصور في داخلي يرى العالم عبر الضوء والظل الرسام يراه عبر اللون والمساحة الصحفي يراه عبر الوقائع والحكايات أما الشاعر فيحاول أن يسمع النبض الخفي خلف كل ذلك.
حين أكتب قصيدة لا أشعر أنني أمارس الشعر فقط، أشعر أنني أرسم وأصور وأوثق وأتأمل في الوقت نفسه ربما لهذا تمتلئ نصوصي بالصور البصرية، وبالأشياء الملموسة، وبالحكايات الصغيرة التي تتحول إلى رموز أكبر.
في النهاية، لا أرى الفنون منفصلة، كلها محاولات مختلفة للإجابة عن السؤال نفسه: كيف نفهم هذا العالم؟ والقصيدة بالنسبة لي هي النهر الذي تصب فيه كل تلك المحاولات هي المساحة التي يلتقي فيها الرسام بالمصور، ويلتقي فيها الصحفي بالحالم، ويلتقي فيها الإنسان بذاته.
وأظن أن كل ما فعلته في «قميص على قصب الخليج» هو أنني حاولت أن أترك هذه الأسئلة تمشي بحريتها داخل النص، دون أن أفرض عليها أجوبة جاهزة فالشعر بالنسبة لي ليس مكان اليقين، بل المساحة التي يصبح فيها الشك شكلاً من أشكال المعرفة، ويصبح السؤال وطناً مؤقتاً للروح.