الحرية – باديه الونوس:
مرحلة جديدة ترسم ملامح مستقبلهم وتحدد مصيرهم بعد صدور نتائج الثانوية العامة، ليتجه كل منهم إلى الطريق الذي يراه مناسباً، حيث يقفون على أعتاب مرحلة جديدة تحمل الكثير من التحديات والفرص.
فكل شاب له حلمه وشغفه الذي طالما انتظره عبر سنوات الدراسة، لكن بعد النجاح يتحول الأمر إلى تحدٍ جديد، إذ يصبح اختيار التخصص الجامعي قراراً معقداً، يحمل في طياته صراعاً بين رغبة الشاب وشغفه وبين توجهات الأهل الذين ينظرون إلى الموضوع بخبرة ودراية وحرص على ضمان مستقبل ابنهم.
في دردشة أجرتها «الحرية» مع الشباب، أجمعت آراؤهم على الرغبة في تحديد مصيرهم، إلا أن ذلك يختلف باختلاف تفهم الأهل، ناهيك عن الظروف الأخرى.
مكانة اجتماعية
أشرف سيحقق حلمه بعد اجتياز الثانوية بمجموع يؤهله لدخول الكلية الطبية، لكنه يفضل الالتحاق بكلية الاقتصاد التي طالما عشق مجالها بسبب رغبته وشغفه بالأرقام والحسابات، يرى هذه الكلية كمرحلة لتحقيق طموحاته في الحياة، كما هو حال الكثير من الشباب، لكنه لاقى اعتراضاً برغبة الأهل الذين يفضلون كلية الطب لما لها من مكانة اجتماعية مرموقة وتوفير ضمان مادي أفضل، ناهيك عن أنها تعتبر أعلى مراتب العلم.
فرصة عمل مضمونة
أما قصة ليال فتختلف بعض الشيء، رغم موهبتها الفطرية وشغفها الكبير بفن الرسم ورغبتها في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، إلا أن أهلها يرون أن الأفضل لها أن تلتحق بكلية التربية لضمان فرصة عمل مستمرة، براتب جيد ودوام مريح، بينما تفقد كلية الفنون الجميلة في نظرهم هذه الضمانات، كما أن تكاليف الدراسة فيها مرتفعة إلى حد يجعل قبولها عبئاً مادياً عليهم.
استقلالية
ألمى تحب هندسة العمارة حد الشغف، فتجد العديد من العقبات التي تقف أمام تحقيق حلمها، أولها والدها الذي يريد دخول كلية الصيدلة لأنها مهنة مستقرة وذات دخل مادي ممتاز، كما تصنف ضمن الأعمال الحرة التي توفر للدارس استقلالية مهنية ومادية مقارنة بالمجالات الأخرى.
لا شك أن هذه الآراء المختلفة تمثل شريحة واسعة من الشباب الذين يقفون على مفترق طرق لتحديد مستقبلهم، بين رغبتهم في إثبات وجودهم والخيار الصحيح، وبين رغبة ذويهم الذين ينظرون بعين التجربة والدراية لمصلحة أبنائهم.
د. الحسن: حرص الأهل أمر طبيعي جداً لكن المشكلة عندما يتحول إلى فرض إرادة معينة
وحول هذا الموضوع، كان للخبير في إدارة الموارد البشرية الدكتور وائل الحسن وجهة نظره، حيث بيّن في حديثه لـ«الحرية» أن مرحلة ما بعد الثانوية العامة تمثل محطة أساسية ومفصلية في حياة الشباب، فهذه المرحلة لا تقتصر على اختيار تخصص جامعي فحسب، بل تُعد خطوة متكاملة لرسم ملامح المسار الأكاديمي والمهني والشخصي للطالب.
ومن هنا يشدد الحسن على مدى أهمية تحقيق التوازن بين رغبة الشاب وقدراته من جهة، وبين خبرة الأهل ودعمهم وتوجيههم من جهة أخرى.
نقطة انطلاقة جديدة
إن تحديد نتيجة الثانوية العامة يجب أن يُنظر إليه كنقطة انطلاقة تبدأ مرحلة جديدة، لا كحكم نهائي أو قرار قطعي يحدد مصير الشاب.
ويشير الباحث الحسن إلى أن هناك العديد من العوامل المتداخلة التي تؤثر في هذا القرار، منها الضغوط الاجتماعية، وتوقعات الأسرة، والمخاوف المتعلقة باتخاذ القرار الخاطئ، بالإضافة إلى تصورات المجتمع لبعض التخصصات بأنها أكثر مكانة أو تضمن مستقبلاً أفضل، مثل الطب والهندسة.
مبيناً أن نجاح الشاب المهني لا يعتمد فقط على التخصص الذي يدرسه، بل على مدى قدرته على تطوير مهاراته، والاستمرار في التعلم واكتساب الخبرات الجديدة بشكل دائم ومستمر.
قرار مصيري
وترتكز رؤيته أيضاً على أن اختيار التخصص ينبغي ألا يُنظر إليه كقرار عابر مقتصر على سنوات الدراسة الجامعية، بل كاختيار يمهد لمسار حياة متكامل، ولهذا يجب أن يتمتع الشاب والأسرة بالهدوء والتفكير الواقعي بعيداً عن اتخاذ قرارات متسرعة أو التأثر بالآراء السائدة التي قد لا تناسب الميول الشخصية للشاب.
دور الأهل
يشدد الحسن على أن حرص الأهل على مستقبل أبنائهم أمر طبيعي جداً، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحرص إلى فرض إرادة معينة عليهم، وخاصة في المجالات التي تتطلب التزاماً طويلاً جداً وتحمل ضغوطاً كبيرة مثل الطب، لافتاً إلى أنه من الضروري أن يكون اختيار التخصص متوافقاً مع رغبات الشاب وقدراته الشخصية، وخاصة في التخصصات التي تحتاج إلى مهارات وقدرات متخصصة، وهذا لأن أخذ قرار بمهنة لا تتناغم مع الميول الشخصية قد يفضي إلى مشكلات نفسية ودراسية ومهنية مع مرور الوقت، حتى وإن كان هذا التخصص يتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع.
توجيه الأبناء
ويضيف الحسن أن دور الأسرة يكمن في توجيه الأبناء وفتح المجال أمامهم لدراسة خياراتهم، وشرح واقع كل تخصص وما يتطلبه من جهود وفرص، ومساعدتهم في تقييم قدراتهم، ليتمكنوا من اتخاذ القرار الأنسب بأنفسهم مع دعمهم بعد ذلك، بدلاً من أن يقرروا نيابة عنهم. مع أهمية إعطاء الشاب مساحة لاتخاذ القرار، دون أن يعني ذلك تركه بلا توجيه إطلاقاً، بل يجب أن يكون القرار مبنياً على معايير واضحة مثل الرغبة الشخصية، والقدرات الحقيقية، والفرص المتاحة في سوق العمل.