الحرية – مها يوسف:
أقامت مديرية أوقاف طرطوس، بالتعاون مع شؤون الشباب، جلسة حوارية بعنوان: «الهجرة النبوية: صناعة التحول وبناء الحضارة»، بمشاركة نخبة من العلماء والدعاة، وحضور مهتمين بالشأن الديني والفكري، ظهر اليوم على مدرج نقابة المهندسين بطرطوس.
وتناولت الندوة أبعاد الهجرة النبوية بوصفها حدثاً مفصلياً في صناعة التحول التاريخي وبناء الحضارة الإسلامية..

الهجرة.. صناعة الأمم وتأسيس الحضارات
افتتح الجلسة جرير المنديل، مدير دائرة التوعية الإلكترونية والإرشاد بمديرية أوقاف طرطوس، بكلمة أكد فيها أن الهجرة النبوية ليست ذكرى كسائر الذكريات، ولا حدثاً يُروى للتاريخ فحسب، بل محطة صنعت الأمم وأسست الحضارات، مشيراً إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم خرج من مكة مطارداً لا يحمل جيشاً ولا مالاً، لكنه حمل أعظم رسالة عرفتها الإنسانية، فكانت الهجرة إعلاناً خالداً بأن الأفكار العظيمة لا تحاصرها الجدران، وأن الرسالات الصادقة لا توقفها المؤامرات، وأن الأمة التي تمتلك الإيمان والبصيرة قادرة على تحويل المحنة إلى منحة، والضعف إلى قوة، والغربة إلى تمكين وحضارة.
وأكد المنديل أن الهجرة لم تكن انتقالاً من أرض إلى أرض، بل انتقالاً من مرحلة إلى أخرى، ومن واقع إلى واقع، ومن أمة مستضعفة إلى أمة شاهدة على الناس، داعياً إلى استلهام معانيها في مشروع النهضة والتغيير.
الهجرة فرقان بين الحق والباطل
من جهته بيّن الدكتور أنس عيروط، عضو مجلس الإفتاء الأعلى، أن للهجرة النبوية معنيين: معنى ثابت يتمثل في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وهي المقصودة بحديث «لا هجرة بعد الفتح»، ومعنى متغير مستمر إلى قيام الساعة، يتمثل في الهجرة إلى الله ورسوله، أي الانتقال من المعصية إلى الطاعة، ومن الضعف إلى القوة، ومن مرحلة التكوين إلى مرحلة التمكين، ومن الجماعة إلى الدولة والبناء.
وأوضح الدكتور عيروط أن هذا المعنى المتجدد هو الذي نعيش في ظلاله اليوم، معتبراً أن الهجرة كانت فرقاناً بين الحق والباطل، ولذلك اختارها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بداية للتأريخ الإسلامي، لما حملته من آثار عظيمة ممتدة عبر الزمن.
وأشار إلى أن المرحلة المكية كانت مرحلة ترسيخ الإيمان والعقيدة على مدى ثلاثة عشر عاماً، بينما جاءت المرحلة المدنية مرحلة التمكين والتشريع وبناء الدولة، مؤكداً أن الهجرة بمعناها المتجدد تظل واجباً مستمراً على كل مسلم، بالانتقال من الباطل إلى الحق، ومن المعصية إلى النور.
الحضارات لا تُبنى بالحجارة بل بالرجال والمبادئ
وفي المحور الثاني، قدّم جرير المنديل مداخلة ربط فيها بين التغيير والتحرر الفكري، مشيراً إلى أن إزالة العوائق أمام وصول النور والهداية إلى الناس تمثل غاية من غايات الإصلاح، مؤكداً أن الثورات والتغييرات الكبرى لا تُقاس بنتائجها السياسية فقط، بل بمدى قدرتها على تحرير الوعي.
وأضاف إن كثيرين ينبهرون بالمباني الشاهقة والدول القوية، لكن السؤال الحقيقي يبقى: من الذي صنع هذه الحضارات؟ مؤكداً أن الحضارات لا تُبنى بالحجارة، بل بالرجال والمبادئ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ ببناء القلوب قبل بناء الدول، وصناعة الإنسان قبل العمران.
الهجرة نموذج للجمع بين التوكل والأخذ بالأسباب
من جانبه تحدث الشيخ حسام حج حسين، مدير مديرية أوقاف طرطوس، مؤكداً أن النبي صلى الله عليه وسلم يمثل أعظم شخصية عرفها التاريخ، وأن سيرته بُنيت على الحقائق الموثقة بعيداً عن الخرافة، مشيراً إلى أن خصوصية الأمة الإسلامية تتجلى في علم الإسناد الذي حفظ تفاصيل السيرة النبوية بدقة متناهية.
وأوضح أن الهجرة، رغم أنها استغرقت أياماً معدودة، حملت دروساً عظيمة، أولها السرية والكتمان، ثم إحكام التخطيط، والأخذ بالأسباب، مع تمام التوكل على الله.
الشباب ثروة الأمة ومستقبلها
كذلك تناول الشيخ محمود حج فتوح، خطيب وإمام جامع السيدة خديجة، دور الشباب في استلهام معاني الهجرة وصناعة المستقبل، مؤكداً أن أعظم ثروة تملكها الأمة هي شبابها، وأن التحديات الفكرية والثقافية والاقتصادية التي تواجههم اليوم تجعل من استحضار الهجرة ضرورة تربوية وفكرية.
وأشار إلى أن الهجرة النبوية تختلف عن كل حركات الانتقال البشرية التي عرفها التاريخ، لأنها لم تقم على القهر أو الإبادة أو طمس الثقافات، بل قامت على بناء الإنسان، وإحياء الفطرة، وترسيخ التعايش.
وأوضح أن أول خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله المدينة كان نداءً جامعاً للقيم الإنسانية الكبرى: «أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، معتبراً أن هذا النداء يمثل خارطة طريق للشباب اليوم، للعودة إلى الفطرة الجامعة، وبناء مستقبل يقوم على الأمل والإيجابية والعمل.
خلاصة الجلسة
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن الهجرة النبوية ستبقى مدرسة مفتوحة في صناعة الإنسان، وبناء الدولة، وتأسيس الحضارة، ومصدراً متجدداً لإلهام الأجيال في مسيرة النهضة والتغيير.