الحرية – فادية مجد:
تشهد المائدة السورية اليوم تحولاً واعداً يتجاوز مجرد تأمين القوت اليومي، إلى معركة حقيقية من أجل البقاء، بدأ خبز «الحبة الكاملة» يستعيد مكانته في الصدارة بعد سنوات طويلة من سيطرة الدقيق الأبيض المكرر.
عودة إلى الجذور الصحية
اختصاصي التغذية العلاجية الدكتور إبراهيم الشعار أفاد لـ«الحرية» أن هذا التحول ليس مجرد مجاراة لصرعات غذائية عابرة، بل هو عودة حقيقية إلى الجذور الصحية.
وبيّن أن ما نضعه في أطباقنا اليوم هو جزء من معركة البقاء الصحي في ظل ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، فالتغذية العلاجية لا تنظر إلى الطعام على أنه سعرات فقط، بل رسائل كيميائية تخاطب الخلايا، كما أن التخلي عن القمح الكامل لعقود، وفق رأيه، كان بمثابة فتح الباب أمام الأمراض المزمنة، لأن إزالة القشرة والجنين من الحبة يحرم الجسم من عناصر حيوية تشكل خط الدفاع الأول ضد الالتهابات واضطرابات الاستقلاب.
الخبز الأبيض سم بطيء
ووصف الدكتور الشعار الدقيق الأبيض بأنه «نشاء منزوع الروح»، إذ تُسلب منه 80% من المعادن و90% من الفيتامينات عند تكريره، ليصبح مادة سريعة الامتصاص ترفع سكر الدم بشكل حاد، ما يرهق البنكرياس ويدفع الجسم نحو مقاومة الإنسولين والسمنة الوسطية والالتهابات الصامتة.
وفي المقابل، يقدم خبز الحبة الكاملة صيدلية طبيعية بفضل الألياف غير الذائبة التي تنظف القولون وتغذي البكتيريا النافعة، إضافة إلى مضادات الأكسدة والمغنيسيوم والزنك الضروريين للمناعة والتمثيل الغذائي.
دراسات مؤكدة
واستعرض الدكتور الشعار مجموعة من الدراسات السريرية التي تثبت أن استبدال الكربوهيدرات المكررة بالحبوب الكاملة يحقق نتائج علاجية مهمة، منها خسارة الوزن الذكية عبر إبطاء تفريغ المعدة، ومنع ارتفاع هرمون الجوع، مما يمنح شبعاً يمتد لخمس ساعات، كما يقلل استهلاك الحبة الكاملة خطر الإصابة بالسكري بنسبة 30%، ويسهم في خفض السكر التراكمي لدى المصابين.
أما على مستوى القلب، فتعمل الألياف على طرح الأحماض الصفراوية خارج الجسم، ما يجبر الكبد على سحب الكوليسترول الضار من الدم، فتتراجع مخاطر الجلطات بنسبة 22%.
الشعير الكامل والتنحيف
وأفرد الدكتور الشعار مساحة خاصة لخبز الشعير الكامل، واصفاً إياه بـ«الوحش الكاسر» في برامج إنقاص الوزن، نظراً لغناه بألياف البيتا غلوكان الذائبة التي تتحول في الأمعاء إلى مادة هلامية، تبطئ الهضم والامتصاص إلى أقصى حد، وترسل إشارات مستمرة للدماغ بالشبع، مشيراً إلى أن الشعير يمتلك مؤشراً غلايسيمياً منخفضاً جداً، ما يجعله خياراً مثالياً لمن يعانون من مقاومة الإنسولين وثبات الوزن.
تمييز الحبة الكاملة الحقيقية
وحذر الدكتور الشعار من الخلط بين الخبز الأسمر التجاري وخبز الحبة الكاملة، إذ تلجأ بعض المخابز إلى صباغة الدقيق الأبيض بالكراميل أو الدبس أو رش القليل من الردة على السطح لإيهام المستهلك بأنه صحي، ولتمييز الخبز الحقيقي، يحدد ثلاث علامات ذهبية:
الوزن الثقيل والقوام الخشن المتماسك، اللون البني الداكن الممتد في كامل اللب مع ظهور حبيبات الردة، ووجود عبارة «دقيق قمح كامل 100%» أو «دقيق شعير كامل 100%» في قائمة المكونات.
مقارنة مع الذرة البيضاء والشوفان
وعند مقارنة الحبة الكاملة بالذرة البيضاء والشوفان، أوضح الشعار ان خبز الذرة البيضاء أو مايعرف بالدخن اللؤلؤي مناسب لمرضى السيلياك ويعتبر سلاح فعال ضد السكري، بينما الشوفان ممتاز للقلب لكنه غالباً يُخلط في السوق السورية بالدقيق الأبيض ليأخذ قوام الرغيف التقليدي، وليبقى خبز القمح أو الشعير الكامل الخيار الأكثر توازناً من حيث القيمة الغذائية والشبع والتوافر الاقتصادي.
الغازات والقوام الجاف.. حقيقة أم مبالغة؟
ورد الدكتور الشعار على الاتهامات بأن خبز الحبة الكاملة يسبب الغازات أو تهيج القولون، بالإشارة إلى أن المشكلة ليست في الحبة نفسها، بل في الانتقال المفاجئ من نظام فقير بالألياف إلى آخر غني بها، ما يصدم البكتيريا المعوية. وينصح بالتدرج في إدخاله وشرب الماء الكافي، أما القوام الجاف، فيرجعه إلى تقنيات الخبز، موضحاً أن زيادة ترطيب العجين وتركه يتخمر طبيعياً يمنح رغيفاً طرياً ونكهة غنية لا تقل نعومة عن الخبز الأبيض.
خطة عملية للأمهات لقبول الأطفال للخبز الكامل
ويقترح الشعار قاعدة الدمج التدريجي (70/30)، وصناعة بدائل محببة مثل البيتزا الصحية والسندويشات المحمصة، إضافة إلى تعزيز النكهة ببذور الكمون أو اليانسون وزيادة الماء أثناء العجن.
واختتم بالتأكيد أن عودة خبز الحبة الكاملة إلى صدارة المائدة السورية مشروع أمن صحي وطني، داعياً الأفران العامة والخاصة إلى توفيره بجودة عالية وأسعار مناسبة، لأن «درهم وقاية نضعه اليوم في رغيف كامل يوفر قناطير من علاج الأمراض غداً».