الحرية – لبنى شاكر:
يستعير سعد حاجو مقولة شعبية متداولة ليعنون معرضه المقام مؤخراً في المتحف الوطني في دمشق «رئيس من دون سبب قلة أدب» بالتعاون مع مؤسسة ذاكرة إبداعية للثورة السورية، مستحضراً رحلة دامت حوالي خمسة عشر عاماً من التوثيق البصري الساخر، تحديداً حين أخذ على نفسه عهداً برسم الديكتاتور بشار الأسد، مع اندلاع الثورة ضد نظامه، سواء نشر الرسم أم لم ينشره، حتى لحظة سقوطه، التي طالما كان على يقين بحدوثها، رغم الدعم الشرس الذي تلقّاه لإيقاف انهياره المدوي منذ اللحظة الأولى، ومن ثم لا يخفي شعوره بالسعادة مع عدم اضطراره لرسم ذلك الوجه بعد هروبه.
عرض رسام الكاريكاتير ستين عملاً فنياً، بين لوحة فنية وأعمال تركيبية، وصولاً إلى مقاطع ديجيتال ورسومات متحركة، إضافة إلى تمثال مهشم للديكتاتور الأب، وإن كانت السمة الأهم للمعرض عموماً تأتي من خلال الدمج بين محطات الثورة وشخصية الرئيس الهارب، حتى إنه تعمّد أن يفعل عكس ما دأبت سلطة الأسد على فعله، باختيار صورة وحيدة للديكتاتور أو اثنتين، وتثبيتهما في أذهان الناس عبر تكرارهما في كل مكان، فرسمه بشكل متغير كما كانت تتغير ردود أفعاله مع الوقائع المتتالية في سنوات النضال ضد سطوته وظلمه.
يرصد حاجو أول استخدام موثّق للباصات الخضراء في عمليات إجلاء المقاتلين والمدنيين
توثيق فني
ومما يرصده صاحب المجموعتين الفنيتين «بلاد العنف أوطاني» و«حاجو بَقَى»، أول استخدام موثق للباصات الخضراء في عمليات إجلاء المقاتلين والمدنيين من الأحياء المحاصرة في حمص، وهي بداية يعرفها السوريون جيداً كأداة رئيسية في عمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي في البلاد، عبر دمج صورة لباص أخضر مع وجه الأسد الهزيل.
كذلك لجأ إلى «مط» رقبته لتصل بين رأسه وجسده الذي اتخذ شكل برميل، وإلى جوارها عبارة «دخول البرميل مو مثل خروجه»، مذكّراً بأول استخدام للبراميل المتفجرة، وكان على مدينة داعل في درعا.
التلاعب بالجسد
يتلاعب الفنان بالبنية الجسدية للأسد القاتل، ويُبرز التناقض بين الهزالة والضعف الذين حاول إخفاءهما بالبطش والإجرام، فنرى الرقبة الطويلة والنحيلة جداً، مع الأكتاف الضيقة والمنكمشة، وفراغ في الجبهة، تعكس جميعها حالة من الذهول والتيه وغياب القدرة على اتخاذ القرار.
وفي لوحة أخرى نرى الأسد المختبئ كائناً هجيناً يشبه الطير أو الدلفين الطائر، لكن بجسد منكمش ورقبة ممتدة، وملامح وجه مشوهة، ضمن فضاء رمادي واسع يعزز فكرة السقوط، كأنه معلق بالهواء بلا سند، مبرزاً ضعفه وهشاشة موقفه رغم الارتفاع الشكلي، بانتظار لحظة الارتطام بالواقع.
صراع الأحجام
ومن اللافت إظهار التباين بين شخصيتي القاتلين الأب والابن، عبر صراع الأحجام، فالأب كما رسمه الفنان يقف بوضعية استعراضية ويرتدي حذاءً عسكرياً ضخماً «البوط العسكري»، إشارة لركيزة حكمه التي قامت على القبضة الأمنية والعسكرية، مع ملامح حادة عابسة، تنظر بصرامة إلى الابن المُتقزّم، حافي القدمين، شخصيتان مجردتان من الثياب الرسمية ومظاهر السلطة الخارجية، ليكشف حاجو البنية النفسية والجسدية لكل منهما، أبٌ ديكتاتور بنى شرعيته على الإجرام العسكري، وابن ديكتاتور لم يكن يحلم بالوصول إلى السلطة لولا سياسة التوريث، يتكئ على شعارات أبيه وعباءته.
يُبرز الفنان التناقض بين الهزالة والضعف الذين حاول الأسد إخفاءهما بالبطش والإجرام
إلهام شعبي
أما العمل الخارج عن السياق العام، فهو كمشة من البوشار وضعها حاجو إلى جانب لوحة رسم فيها رأس الأسد على هيئة حبة ذرة صفراء، يتطاير منها البوشار، يقول عنها: «لطالما آمنت بأن الشعب أطول صبراً من مستبده، أبعد نظراً من نخبه، أعلى جرأة من مثقفيه، أكثر شجاعة من إعلامييه، وحتى أخف دماً من ساخريه، منذ البداية ردد المتظاهرون في دمشق وببسالة غير مسبوقة شعارات احتجاجية ضد نظام بشار الأسد منها عبارة «طير وفرقع يا بشار»، هذه العبارة الساخرة كانت إحدى العبارات الملهمة لي بشدة لزيادة إنتاجي للرسومات الكاريكاتورية التهكمية».
صراع قديم
صراع حاجو مع نظام القتلة قديم، حيث عمل في جريدة السفير اللبنانية، رسام كاريكاتير الصحيفة السياسي والاجتماعي اليومي 1995- 2015. ونشر بعض الرسوم الكاريكاتورية عن بشار الأسد قبل انطلاق الثورة في زاويته اليومية التي حملت عنوان «انظر الشكل».
وبطبيعة الحال، كما يشرح، لم تدخل الأعداد التي نشرت فيها هذه الرسومات إلى سوريا، فموظفو الرقابة كانوا يلجؤون إلى منع دخول الصحيفة، إذا لم يتمكنوا من تمزيق صفحات الجرائد والمجلات التي تُوحي بما يشي بشبهة انتقاد للحكم أو الرئيس، ومما قدمه رسم انتقد فيه اعتقال الكاتب والسياسي الراحل ميشيل كيلو على خلفية توقيعه «إعلان دمشق- بيروت، بيروت – دمشق» في أيار 2006.
نتاج غزير
إلى جانب المعرض، قدّم سعد حاجو «مواليد دمشق عام 1968»، والحاصل على جائزة «EWK» السويدية عام 2015، تقديراً لإسهاماته في فن الكاريكاتير السياسي ودفاعه المستمر عن حرية التعبير، كتاباً يضم مجموعة منتقاة من رسومه الكاريكاتورية الساخرة، عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، يحتوي ما يقارب 170 رسماً خلال زمن الثورة السورية موضوعها المجرم بشار الأسد. وفي رصيده عدد من المعارض الفردية والجماعية حول العالم، منها معرض مشترك بعنوان «الضحكة النوّاس» مع الفنان البولندي بافل كوزنتسكي عام 2014 في السويد، وضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب في أبوظبي.





