الحرية – دانيه الدوس:
تحولت جلسة صباحية للركاب في إحدى وسائل النقل إلى مباراة وصلت لتقاذف الشتائم، لكنها لحسن الحظ لم تصل لدرجة العراك بالأيدي، وتم حسمها من صاحب «السرفيس» بعد أن وصلت إليه الفئة النقدية أخيراً، وبعد رحلة تناقلتها أيدي أغلب الركاب يتشاجرون عن ماهية تلك الفئة التي دفعتها إحدى الراكبات.
على الطرف المقابل، قطع أبو محمد عهداً على نفسه أن لا يتبرع بعد اليوم ويستلم الأجرة من الركاب ويحاسبهم ليسلم الغلة جاهزة لصاحب «السرفيس»، فكثرة غلبته تلك كلفته فقد مبلغ 10 آلاف ليرة اضطُر لدفعها من جيبه لتعويض النقص في الغلة.
هذه القصص غيض من فيض، وتعبر عن مدى تأقلم التعامل مع العملة الجديدة من قبل المواطنين، والسؤال: كيف سيتأقلم المواطن مع العملة الجديدة دون أن يتعرض للنصب أو الخطأ، وكم يحتاج من الوقت لذلك؟
الخطأ والنصب
لم يسلم الموظف وكذلك المحاسب المتعلم من الخطأ أحياناً حينما يكون المبلغ الذي يعده كبيراً، فكيف هي الحال مع الكبير في السن أو غير المتعلم؟ تقول سميرة سلوم: «لم أتأقلم حتى اللحظة مع إزالة الأصفار من العملة، ولا أميز بين فئة وأخرى إلا من خلال اللون، فأنا تعرضت للنصب مرتين».
وعلى الرغم من أن أبا محمد ضليع في الحساب بحكم عمله كشوفير سرفيس، إلا أنه أخطأ مرتين في الحساب مع الركاب، يقول ضاحكاً: «المهم أن لا أخطئ بالفئة الصفراء، فقد ميزتها بالقمح الموجود عليها، فخسارتي بها تعني خسارة سفرة كاملة».
3 أشهر للتأقلم
رأى المحلل الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن أخطاء الحساب أمر طبيعي جداً ومؤقت في بداية إطلاق العملة، وتحتاج عملية التأقلم مع العملة الجديدة عادةً فترة تتراوح بين شهر إلى ثلاثة أشهر، ليصبح المواطن قادراً على الحساب التلقائي وتجاوز أخطاء احتساب الفروق، حيث يتم تخطي التحديات المرتبطة بالاختلاف الثقافي والتعليمي عبر التدرج في سحب الفئات القديمة.
وأضاف عياش: «يتم تجاوز هذه المشكلة والحد من الخسائر المادية من خلال فترة التعايش وتفعيل الدفع عبر البطاقات المصرفية، بالإضافة إلى استخدام تطبيقات الهاتف المحمول المعتمدة لإجراء عمليات التحويل البسيطة لمعرفة القيمة الحقيقية للعملة».
وحول معالجة النقص في توفر فئة الـ5 ليرات الجديدة، أكد عياش أن المصرف المركزي يقوم بضخ باقي الفئات النقدية بما فيها الفئات الصغيرة كـ10 و25 وكذلك 50 و100 ليرة جديدة لتسهيل المعاملات اليومية، بالإضافة إلى التوسع في الاعتماد على الدفع الإلكتروني الذي يلغي الحاجة للتعامل بالعملات الورقية الفردية ويسوي المبالغ بدقة متناهية دون الحاجة لإرجاع الباقي نقداً.
وكان مصرف سورية المركزي قد أكد أن العملة القديمة تحافظ على قوتها الإبرائية الكاملة حتى نهاية يوم 30 تموز 2026، مع إتاحة خيار استبدالها عبر المصارف لخمس سنوات قادمة.
وأشار عياش إلى أنه على الرغم من انتهاء فترة التعايش والتداول التجاري للعملتين في الأسواق بنهاية تموز، فإن المركزي أتاح للمواطنين الذين يملكون فئات قديمة إمكانية استبدالها عبر القنوات المصرفية الرسمية الممتدة لمدة خمس سنوات قادمة دون خسارة قيمتها.
كما وجّه المركزي ضابطة الرقابة والجهات التنفيذية لملاحقة المحال والشركات التي ترفض العملة القديمة قبل انتهاء المهلة القانونية، لمنع حدوث أي جمود في الحركة التجارية.
ولحل مشكلة الفئات الصغيرة (5 ليرات جديدة)، رأى عياش أنه يمكن الإبقاء على فئة 500 ليرة القديمة ريثما تتوفر البدائل، وهو جزء مما يحدث فعلياً في بعض الأسواق المحلية، لكن توجهات المركزي تسير وفق إشباع السوق التدريجي.
فقد أوضح المركزي أن التركيز في الأشهر الأولى كان منصباً على سحب الفئات الكبيرة لتسريع عملية الاستبدال الضخمة (تجاوزت 80%)، وأما البدء بضخ كميات أكبر من الفئات الصغيرة الجديدة (10 و25 و50 ليرة) فيجرى حالياً لتغطية النقص، مشيراً إلى أن النقص الحالي هو مشكلة توزيع لوجستي يسعى المركزي لحلها عبر زيادة الشحنات للمحافظات.
الدفع الإلكتروني كحل استراتيجي
أكد عياش مرة أخرى على ضرورة اعتماد الدفع الإلكتروني كحل استراتيجي بعيد المدى، وهذا ما ينسجم مع استراتيجية المصرف المركزي للسنوات القادمة، حيث يعمل حالياً على الربط مع الأنظمة العالمية، وتسريع عمليات الربط مع شبكات الدفع الإلكتروني وتحديث الأنظمة البرمجية للمصارف لتستوعب قيماً مالية دقيقة، وكذلك إلزامية نقاط البيع (POS) من خلال التوسع في إلزام المحال التجارية الكبرى ومحطات الوقود باعتماد الدفع الرقمي لتفادي مشكلة «الفكة» والكسور المالية تماماً، إضافة إلى أن المركزي يدرس حالياً تقديم إعفاءات مؤقتة من رسوم المعاملات الإلكترونية للتجار لتحفيزهم على الانتقال والتحول الرقمي السريع.