الحرية – نورما الشيباني:
يدرك سريعاً كل زائر للساحل السوري أن هناك حكايات لا تُروى بالكلمات، بل بالأيدي، فهناك، في هذا الجبل الجميل، أشجار توت وشرنقات حرير نسجته أيادٍ ماهرة ذاع صيتها في أرجاء العالم، وفي جزيرة أرواد، يقف رجل أمام ألواح الخشب، يمرر أصابعه عليها كما لو أنه يقرأ سطوراً من كتاب قديم.
وفي ريف طرطوس، تغوص امرأة بكفيها في الطين، قبل أن ترفعه بهدوء ليصبح جرة تحفظ الماء، أو خوابي تحفظ الزيت، وفي منزل بسيط، تتحول خيوط ملونة إلى شال أو قبعة أو وردة صغيرة تنبض بالحياة. بينما في ورشة نجارة، لا تزال أصوات الفارة والإزميل تقاوم ضجيج الآلات الحديثة. هذه ليست مشاهد من الماضي، بل من حاضر لا تزال فيه الحرف التراثية تحاول الدفاع عن وجودها، رغم أن كثيراً من أصحابها يخشون أن يكونوا الجيل الأخير الذي يحمل أسرارها.
بين البحر والخشب… يولد المركب كما يولد الإنسان
في جزيرة أرواد، لا يبدأ خالد محمد حمود عمله بقياس الخشب أو تشغيل الآلات، بل يبدأ بذاكرة عمرها مئات السنين. ورث المهنة عن والده، كما ورثها والده عن جده، حتى أصبحت صناعة المراكب جزءاً من هوية العائلة والجزيرة معاً. يقول لـ«الحرية»: «من يتعلم هذه المهنة في الكبر لن يصبح ماهراً، لأنها تُكتسب مع الطفولة، مع مراقبة الأب والجد، ومع ملامسة الخشب كل يوم».
حديث خالد لا يشبه حديث نجار، بل حديث أب عن ابنه، فعندما يُسأل عن شعوره وهو يرى المركب يلامس البحر لأول مرة، يجيب دون تردد: «كأنه طفل وُلد للتو أراقبه وهو يعوم، وأتعلم من جماله وأخطائه كما يتعلم الأب من أبنائه»، لكن هذه الولادة الجميلة أصبحت أكثر صعوبة، فإنجاز مركب خشبي بطول عشرة أمتار يحتاج إلى أشهر من العمل، في ظل انقطاع الكهرباء وارتفاع التكاليف وضعف الطلب، ولا يخفي خالد خوفه من المستقبل، قائلاً: «لن تختفي صناعة المراكب من جزيرة تحيط بها الأمواج، لكن قد يختفي آخر الخبراء الذين يعرفون أسرار صناعتها». وهنا لا تبدو المشكلة في اختفاء المهنة، بل في ضياع الخبرة المتراكمة التي لا يمكن تعويضها بآلة أو كتاب.
من الطين… تصنع الذاكرة
في ريف طرطوس تبدأ الحكاية من الأرض. تبحث الحرفية نظمية إسماعيل عن الطين الغضاري في الينابيع والأودية، ثم تبدأ رحلة طويلة من التنقية والتخمير والعجن، قبل أن يتحول بين يديها إلى أوانٍ رافقت البيوت السورية لعقود طويلة، كل مرحلة تحتاج إلى صبر، فالتجفيف يجب أن يكون بطيئاً، والحرق داخل التنور يحتاج إلى حرارة متوازنة حتى لا تتشقق القطعة.
ورغم أن الأواني الفخارية ما تزال تجد مكاناً في الأسواق، فإن استخدامها تغيّر، فبعد أن كانت ضرورة يومية، أصبحت اليوم قطعة تراثية أو ديكوراً يحمل عبق الماضي، وترى نظمية أن أكبر تهديد للحرفة ليس نقص الطين، بل نقص الحرفيين، فالشباب يعزفون عن تعلمها لأنها تحتاج إلى جهد طويل وعائدها محدود. وتقول: «الفخار ليس مجرد طين… إنه نبض الأرض وتاريخ الأجداد».
الخشب الذي بنى البيوت
قبل أن تتحول النجارة إلى صناعة للأثاث الفاخر، كانت تصنع الحياة نفسها، من الخشب صُنعت أبواب البيوت، وصناديق الأعراس، والمحاريث، والقوارب، وحتى الأدوات الزراعية التي اعتمد عليها الفلاحون، الحرفية غريدة سليمان تستعيد تلك المرحلة، وتروي لـ«الحرية» كيف كانت الأخشاب المحلية تمنح كل قطعة شخصية مختلفة، فيما كانت الأدوات اليدوية وحدها كافية لإنجاز العمل.
اليوم تبدلت الأدوات، ودخلت الآلات الحديثة، لكن التحديات بقيت أكبر من قدرة الحرفيين على مواجهتها، وأبرزها ضعف التسويق، الذي جعل كثيراً من الورش تغلق أبوابها، بعدما عجزت عن منافسة المنتجات الصناعية الأرخص ثمناً.
خيوط تنسج الأمل
بالنسبة للحرفية سحر إسماعيل، لا تبدأ قطعة الكروشيه بالخيط، بل بالفكرة. منذ أن تعلمت الحياكة في المدرسة، وهي ترى في الكروشيه أكثر من هواية. تقول: «حين أبدأ بالعمل لا أفكر بشيء آخر، كل قطعة تحتاج إلى حساب ودقة وتوازن». تنتج سحر الشالات والقبعات وملابس الأطفال والديكورات المنزلية، لكن المشكلة، كما تقول، ليست في الإبداع، بل في الوصول إلى السوق، ارتفاع أسعار الخيوط وتراجع القدرة الشرائية جعلا المنتجات اليدوية آخر ما يفكر الناس في شرائه، رغم تقديرهم لقيمتها الفنية. ومع ذلك، تواصل تدريب الفتيات، لأن الحرفة بالنسبة إليها رسالة قبل أن تكون مهنة.
أزمة واحدة بأسماء مختلفة
رغم اختلاف الحرف، فإن معاناة أصحابها تكاد تكون واحدة: ارتفاع أسعار المواد الأولية، وانقطاع الكهرباء، وغياب منافذ البيع، وضعف التسويق، وتراجع القدرة الشرائية، وعزوف الشباب عن المهن اليدوية، كلها عوامل تدفع هذه الحرف إلى الهامش. ولعل أخطر ما تكشفه شهادات الحرفيين أن المشكلة لم تعد في إنتاج القطعة، بل في استمرار الحرفي نفسه.
نخشى أن نفقد آخر شيوخ الكار
يؤكد نائب رئيس اتحاد الحرفيين منذر رمضان، في تصريح لـ«الحرية»، أن الحرف التقليدية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل تمثل الذاكرة الثقافية للمجتمع السوري. ويشير إلى أن جمعية المهن اليدوية والحرف التراثية والتقليدية استطاعت استقطاب ما يقارب 600 حرفي وحرفية، إضافة إلى تدريب مئات الأشخاص وتحويل عدد من الحرفيين إلى مدربين، بهدف نقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة.
لكن رمضان يحذر من أن بعض الحرف وصلت إلى مرحلة حرجة، وفي مقدمتها صناعة المراكب الأروادية، وصناعة الحرير، والفخار. ويقول إن الحرفي السوري لا يطلب المستحيل، بل يحتاج إلى بيئة تساعده على الاستمرار؛ من خلال تخفيف الأعباء المالية، وتأمين المواد الأولية، وإنشاء أسواق دائمة، وفتح منافذ للتصدير، حتى يصبح المنتج التراثي قادراً على المنافسة داخل سوريا وخارجها. ويضيف: «حين نحافظ على الحرف اليدوية، فإننا لا نحافظ على مهن فقط، بل نحافظ على هوية وطن، وعلى تاريخ كتبه الأجداد بأيديهم».
قد يظن البعض أن خسارة حرفة تعني اختفاء منتج من السوق، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. فمع رحيل آخر صانع مراكب في أرواد، لن نفقد مركباً خشبياً، بل سنفقد معرفة فينيقية انتقلت عبر قرون. ومع انطفاء آخر تنور للفخار، لن تختفي الجرار فقط، بل ستغيب ذاكرة البيوت السورية. ومع توقف آخر حرفية عن غرز الكروشيه، لن تضيع قطعة قماش، بل ستنقطع حكاية نسجتها النساء جيلاً بعد جيل.
مورد اقتصادي
الحرف التراثية ليست بقايا من الماضي، بل مورد اقتصادي قادر على خلق فرص عمل، وجذب السياحة، وتعريف العالم بالثقافة السورية، إذا توفرت لها الرعاية الحقيقية. ويبقى السؤال: هل ننتظر حتى يصبح آخر صانع مراكب، وآخر خزّاف، وآخر نجار، وآخر حرفية كروشيه مجرد صورة في كتاب عن التراث؟ أم نتحرك اليوم، قبل أن تتحول هذه الحكايات إلى ذاكرة لا يمكن استعادتها؟

