الحرية – نهلة أبو تك:
في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد السوري، تبرز الزراعة كأحد أكثر القطاعات قدرة على لعب دور محوري في إعادة تشكيل بنية الإنتاج، ليس فقط عبر تأمين الغذاء، بل عبر بناء منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند الحصاد.
ورغم امتلاك سوريا قاعدة زراعية واسعة ومحاصيل استراتيجية ذات حضور إقليمي، مثل الفستق الحلبي والزيتون واللوزيات، فإن القيمة المضافة لهذه الثروات لا تزال أقل بكثير من إمكاناتها الفعلية، نتيجة ضعف الترابط بين الزراعة والصناعة التحويلية والتسويق.
إنتاج قوي… لكن قيمة اقتصادية غير مكتملة
يؤكد الخبير الزراعي الدكتور صفوان الحلبي أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في حجم الإنتاج الزراعي، بل في كيفية إدارة هذا الإنتاج وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ويقول الحلبي لـ”الحرية”:
“سوريا تمتلك قاعدة إنتاجية مهمة في عدد من المحاصيل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كفاءة استثمار الموارد، وخاصة المياه، إضافة إلى ضرورة التوسع في التقنيات الزراعية الحديثة.”
وبحسب تقديرات الإنتاج، تنتج سوريا ما بين 70 و80 ألف طن من الفستق الحلبي سنوياً، مع نحو 9 ملايين شجرة، فيما يتجاوز إنتاج الزيتون في المواسم الجيدة مليون طن، اعتماداً على أكثر من 100 مليون شجرة. كما تشكّل اللوزيات محصولاً مهماً بعشرات آلاف الأطنان سنوياً.
لكن هذه المؤشرات، وفق الحلبي، لا تتحول إلى قيمة اقتصادية متوازنة داخل الاقتصاد المحلي، بسبب ضعف سلاسل القيمة وغياب التصنيع المتكامل.
أين تضيع القيمة المضافة؟
المشكلة الجوهرية لا تتعلق بالإنتاج الأولي، بل بانقطاع سلسلة القيمة الزراعية، حيث يتم في كثير من الحالات بيع المحاصيل مباشرة بعد الحصاد كمادة خام، دون المرور بمراحل التصنيع والتعبئة والتسويق والتصدير.
سلسلة القيمة المتكاملة التي يفترض أن تحكم هذا القطاع تشمل: إنتاج زراعي → فرز وتجهيز → تصنيع غذائي أو صناعي → تعبئة وتغليف → تسويق → تصدير
غياب هذه المنظومة يعني أن الاقتصاد المحلي يستفيد من الحلقة الأولى فقط، بينما تضيع القيمة الأعلى في المراحل الصناعية والتجارية اللاحقة.
محاصيل استراتيجية… إمكانات صناعية معطّلة
لا يقتصر الخلل على محاصيل بعينها، بل يشمل منظومة إنتاجية كاملة تمتلك قدرة على التحول الصناعي.
فمحصول دوار الشمس يمكن أن يشكل قاعدة لصناعة الزيوت النباتية محلياً، ما يخفف من فاتورة الاستيراد ويعزز الاكتفاء الذاتي. كما يمكن للوزيات أن تدخل في صناعات غذائية عالية القيمة، في حين يمثل التبغ مادة أولية قابلة للتحول إلى صناعة تحويلية منظمة.
ويبرز القطن كأحد أهم المحاصيل الاستراتيجية غير المستثمرة بالشكل الكافي، إذ يمكن أن يشكل قاعدة لصناعة النسيج (غزل – نسيج – ألبسة)، وهي من أكثر الصناعات قدرة على خلق قيمة مضافة وتشغيل واسع.
أما الشوندر السكري فيمثل مدخلاً مباشراً لإعادة إحياء صناعة السكر محلياً، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وربط الزراعة بالصناعة الغذائية بشكل فعّال.
لكن غياب هذا التكامل بين الزراعة والصناعة يبقي هذه المحاصيل ضمن حدود الإنتاج الخام، دون أن تتحول إلى محركات نمو اقتصادي حقيقية.
الفستق الحلبي… ثروة تصديرية غير مستثمرة بالكامل
يُعد الفستق الحلبي أحد أبرز المنتجات الزراعية السورية ذات الحضور العالمي، إلا أن جزءاً كبيراً من قيمته المضافة لا يزال يُنتج خارج البلاد.
ويقول المستثمر في القطاع الزراعي حسام الزعبي:“القيمة الحقيقية للفستق الحلبي لا تتحقق عند بيعه كمادة خام، بل عند تحويله إلى منتجات مصنّعة ومغلفة تحمل علامة تجارية قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.”
ويضيف أن ضعف الصناعات الغذائية المحلية يؤدي إلى خسارة جزء كبير من الأرباح لصالح أسواق خارجية تعيد تصنيع المادة الأولية وتصديرها بقيمة أعلى.
الزراعة الذكية… مفتاح التحول القادم
يرى الخبير الحلبي أن تطوير القطاع الزراعي في سوريا يتطلب الانتقال من الزراعة التقليدية إلى نموذج أكثر كفاءة وارتباطاً بالصناعة، عبر مجموعة من التحولات الأساسية، أبرزها:
تحديث تقنيات الإنتاج الزراعي
التوسع في أنظمة الري الحديث
تعزيز مفهوم الزراعة الذكية
تطوير الصناعات الغذائية والتحويلية
ربط الإنتاج الزراعي بالأسواق المحلية والتصدير
ويؤكد أن هذا التحول هو الشرط الأساسي لرفع القيمة الاقتصادية للقطاع الزراعي وتحويله إلى رافعة تنموية حقيقية.
الزراعة… من مورد خام إلى اقتصاد متكامل
في المحصلة، لا تكمن الإشكالية في ما تنتجه الأرض السورية، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الإنتاج.
فبين الحقل والمصنع، تضيع اليوم القيمة الأكبر من الثروة الزراعية، في وقت تمتلك فيه سوريا قاعدة إنتاجية قادرة – إذا أُحسن استثمارها – على إعادة تشكيل جزء مهم من الاقتصاد الوطني.
ويبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من اقتصاد زراعي يعتمد على بيع المواد الخام، إلى اقتصاد زراعي صناعي متكامل، يجعل من الزراعة رافعة للنمو والتشغيل والتصدير.
كلمات مفتاحية (SEO):
الزراعة في سوريا، الاقتصاد السوري، الفستق الحلبي، الزيتون في سوريا، اللوزيات، القطن في سوريا، الشوندر السكري، دوار الشمس، الصناعة التحويلية، سلاسل القيمة الزراعية، الزراعة الذكية، الري الحديث، الأمن الغذائي في سوريا، الصناعة الغذائية.