الحرية– إلهام عثمان:
لم يعد كأس العالم مجرد بطولة كروية تلهب المدرجات، بل تحوّل إلى ظاهرة اقتصادية وسياسية واجتماعية شاملة، تطول حياة الملايين، بدءاً من عشاق اللعبة إلى صنّاع القرار ورجال الأعمال، فما إن تبدأ صافرة البداية، حتى تنطلق معها عجلات استثمارية عملاقة، تُحدث هزّات إيجابية في الناتج المحلي، وتفتح آلاف الوظائف، وتعيد رسم خرائط الإنفاق السياحي والتجاري.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: كيف تحوّلت كرة القدم من لعبة شعبية إلى سلعة رأسمالية تدرّ مليارات الدولارات، وما هي انعكاسات ذلك على المشجع البسيط والدولة المضيفة على حد سواء؟
إيرادات قياسية وهيكل رأسمالي متطور
يشير الخبير الاقتصادي والمدرب الدولي في التنمية البشرية، الأستاذ فادي حمد، بالاستناد إلى الأرقام الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، ومنظمة التجارة العالمية (WTO)، وشركة ستاندرد آند بورز (S&P Global)، إلى أن النسخة الثالثة والعشرين من كأس العالم، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، قد حققت إيرادات متوقعة بلغت 8.9 مليارات دولار، بزيادة تتراوح بين 54% و72% مقارنة بقطر 2022، ويعزو هذا النمو إلى توسيع المشاركة إلى 48 منتخباً، ما رفع عدد المباريات إلى 104 مباريات.
هيكل الإيرادات
وينقسم هيكل الإيرادات، وفق رأي حمد، إلى ثلاثة مصادر رئيسية:
حقوق البث التلفزيوني والرقمي: 3.9 مليارات دولار (نحو 44% من الإيرادات)، بزيادة الثلث عن النسخة الماضية، مدعومة بدخول منصات البث العالمية في صراع على المحتوى الحي، ورعاية العلامات التجارية، 1.8 مليار دولار (نحو 20% من الإيرادات)، بإجمالي 2.8 مليار دولار للدورة الكاملة 2023-2026، كذلك التذاكر وباقات الضيافة، فقد بلغت 3 مليارات دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما تم تحصيله في قطر 2022 (950 مليون دولار)، وذلك بفضل نظام التسعير الديناميكي المستحدث.
مفارقة الجوائز
هنا يبرز حمد مفارقة لافتة، إذ يشير إلى أنه بينما قفزت الإيرادات إلى 8.9 مليارات دولار، بلغت جوائز البطولة المعلنة من مجلس الفيفا 871 مليون دولار، أي ما نسبته 9.8% فقط من الإيرادات، بزيادة 15% عن التخصيص الأولي و50% عن جوائز قطر 2022، ويعكس هذا الفارق هامش ربح هائل للفيفا، حيث تُوجه السيولة الفائضة إلى الاحتياطيات الاستراتيجية واستثمارات البنية الرقمية، ما يطرح تساؤلات حول عدالة توزيع الثروة في المنظومة الكروية.
رأس المال البشري
كما لفت حمد إلى أن الاقتصاد الرياضي الحديث يُصنّف اللاعبين كأصول رأسمالية غير ملموسة، تحتسب في الميزانيات العمومية للأندية، لكنها في كأس العالم تتحول إلى مؤشر ثروة وطني مؤقت، ووفق تحديثات منصة ترانسفيرماركت حتى يونيو 2026، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للمنتخبات الـ48 نحو 18.1 مليار يورو، متجاوزة الناتج المحلي الإجمالي لعدد من الدول المشاركة.
وتتصدر فرنسا القائمة بـ 1.76 مليار دولار، تليها إنجلترا بـ 1.51 مليار، وإسبانيا بـ 1.45 مليار، أما صافي القيمة الحالية للاعبين مثل لامين يامال وإرلينغ هالاند فيبلغ 238 مليون دولار، ما يعكس ارتفاع العائد على الاستثمار في أكاديميات كرة القدم، التي تحولت إلى صناديق تحوط تراهن على العقود طويلة الأجل.
التسعير الديناميكي
يُعد نظام التسعير الديناميكي، وفق حمد، الابتكار الأبرز في هذه النسخة، وهو مستوحى من صناعات الطيران والفنادق، إذ يقوم على تقسيم السوق وفقاً للمرونة السعرية، حيث بلغ الحد الأدنى للتذاكر 60 دولاراً، بينما ارتفع الحد الأقصى للفئة الأمامية في المباراة النهائية إلى 10,990 دولاراً.
وفي السوق الموازية لإعادة البيع، تجاوزت الأسعار حاجز 38,000 دولار، وقد حقق النظام زيادة في الإيرادات بنسبة 34% عن التسعير الثابت، لكنه أثار إشكالية أخلاقية تتعلق بالعدالة الأفقية في استهلاك المنتج الرياضي، قد تنعكس سلباً على شعبية العلامة التجارية للفيفا على المدى الطويل.
المضاعف الاستثماري
ولا تقتصر التداعيات الاقتصادية للبطولة على تحصيل الفيفا، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي للدول المستضيفة، حسبما أكده حمد، فوفق دراسة الأثر الاجتماعي الاقتصادي التي أجراها الفيفا بالتعاون مع منظمة التجارة العالمية، من المتوقع أن يساهم الحضور الجماهيري، الذي تجاوز الـ 6 ملايين متفرج، في ضخ نحو 13.9 مليار دولار في قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة، وعند احتساب التأثير غير المباشر، تشير التقديرات إلى مساهمة البطولة بأكثر من 41 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وخلق أكثر من 800 ألف فرصة عمل مؤقتة، خاصة في المدن المضيفة مثل نيويورك ولوس أنجلوس ومكسيكو سيتي.
تحديات هيكلية تلوح في الأفق
برغم الأرقام المبهرة، إلا أن حمد يحذر من تحديات هيكلية، أبرزها:
– ارتفاع تكاليف البنية التحتية: إذ تنفق المدن المضيفة مبالغ طائلة على التأمين والخدمات اللوجستية، ما قد يقلص العائد الفعلي للقطاع العام.
– تهميش الفئات محدودة الدخل: إذ إن تضخم أسعار الضيافة الناتج عن التسعير الديناميكي قد ينفر شريحة واسعة من الجماهير الشعبية، ما يهدد الاستدامة الجماهيرية للبطولات المستقبلية.
مختبر اقتصادي
وفي ختام قراءته التحليلية، يؤكد حمد أن كأس العالم 2026 بات مختبراً اقتصادياً حياً، أثبت نجاحه في الانتقال من حدث رياضي إلى منصة استثمارية عالمية. لكن التحدي الأكبر للفيفا، على حد تعبيره، يكمن في تحقيق توازن دقيق بين تعظيم الأرباح عبر التسعير الديناميكي، والحفاظ على العدالة الاجتماعية في الوصول إلى المنتج الرياضي. ففي عالم ما بعد الجائحة، تظل كرة القدم سلعة مقاومة.